مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية بالمغرب، يعود النقاش حول الأساليب الأكثر تأثيراً في الحملات الانتخابية، في ظل استمرار حضور أدوات التواصل التقليدية، مقابل تصاعد أهمية المنصات الرقمية وتزايد اعتماد المغاربة، خصوصاً الشباب، على شبكات التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار والمعلومات ومتابعة الشأن العام.
وتحافظ الحملات الانتخابية على حضور أدوات ظلت ملازمة للمشهد السياسي لعقود، من توزيع المنشورات والملصقات وتنظيم الجولات في الأسواق والأحياء، إلى عقد التجمعات واللقاءات المباشرة واستعمال السيارات واللافتات الانتخابية، غير أن التحول الرقمي يفرض في المقابل إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين المرشح والناخب.
وفي هذا السياق، يرى فاعلون جمعويون وتربويون أن استمرار الاعتماد على الأساليب التقليدية لا يرتبط فقط بضعف الإمكانات الرقمية، وإنما أيضاً بحسابات انتخابية مرتبطة بطبيعة الفئات الأكثر مشاركة في التصويت، معتبرين أن الأحزاب والمرشحين يوجهون جزءاً مهماً من جهودهم نحو الفئات التي يُنظر إليها باعتبارها أكثر حضوراً في صناديق الاقتراع.
وبحسب هذه القراءة، فإن الشباب، رغم حضوره القوي على منصات التواصل الاجتماعي، لا يزال يسجل مستويات مهمة من العزوف عن المشاركة السياسية والانتخابية، وهو ما يجعل الاستثمار في الحملات الرقمية أقل جاذبية بالنسبة لبعض الفاعلين السياسيين مقارنة بالتواصل الميداني المباشر.
وفي المقابل، يذهب فاعلون آخرون إلى أن السؤال لم يعد يتعلق بما إذا كانت الرقمنة ستدخل المجال الانتخابي، وإنما بمدى سرعة الأحزاب والمرشحين في مواكبة هذا التحول، خصوصاً مع اتساع استخدام الإنترنت ومنصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب.
ويعتبر هذا الاتجاه أن الاكتفاء بالمنشورات الورقية والملصقات والجولات الميدانية يكشف عن فجوة متزايدة بين أدوات الفاعل السياسي وطريقة استهلاك الناخب للمعلومة، ولا سيما لدى الأجيال الشابة التي أصبحت تتفاعل مع القضايا السياسية عبر الفيديوهات القصيرة والبث المباشر والمحتويات الرقمية التفاعلية.
غير أن الانتقال إلى الفضاء الرقمي لا يعني، وفق المتحدثين أنفسهم، نقل الخطاب الانتخابي التقليدي إلى شاشات الهواتف، إذ تفرض المنصات الرقمية طبيعة مختلفة من التواصل تقوم على التفاعل والإنصات والرد على الأسئلة والمساءلة، بدل الاكتفاء بالشعارات والصور الدعائية.
وفي هذا الإطار، يبرز مضمون الخطاب السياسي باعتباره عاملاً أكثر أهمية من وسيلة التواصل نفسها، إذ إن عزوف الشباب عن المشاركة لا يرتبط بالضرورة بغياب الأحزاب عن المنصات الرقمية، وإنما قد يكون مرتبطاً أيضاً بضعف المصداقية وغياب خطاب سياسي قادر على الإجابة عن انتظاراتهم وقضاياهم اليومية.
ومن جهة أخرى، يرى فاعلون جمعويون أن التواصل الميداني لا يزال يحتفظ بأهميته، خاصة في العالم القروي وبعض الأحياء والمجالات التي تستمر فيها العلاقات المباشرة والأسواق الأسبوعية واللقاءات الحضورية في لعب دور أساسي في بناء الثقة بين المرشح والناخب.
كما أن اختلاف الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية يجعل من الصعب الاعتماد على وسيلة واحدة للتواصل، إذ تختلف طبيعة الجمهور ودرجة استعمال التكنولوجيا وأنماط بناء الثقة السياسية بين المدن والقرى وبين الأجيال والفئات الاجتماعية.
وبناءً على ذلك، يتجه النقاش نحو نموذج يجمع بين الحملة التقليدية والحملة الرقمية، بحيث يظل المرشح حاضراً في الميدان للاستماع إلى المواطنين والتفاعل مع قضاياهم، وفي الوقت نفسه يستثمر المنصات الرقمية لتوسيع نطاق الوصول والتواصل وتقديم البرامج الانتخابية بطريقة أكثر سرعة وتفاعلاً.
وتتيح الرقمنة، في هذا التصور، الانتقال من حملة انتخابية تقوم أساساً على الترويج للمرشح إلى حملة أكثر حوارية، من خلال تنظيم لقاءات رقمية مفتوحة، والإجابة عن أسئلة المواطنين، وشرح السياسات العمومية، وإشراك الناخبين في مناقشة البرامج والأولويات المحلية.
لكن هذا التحول يطرح في المقابل تحديات مرتبطة بانتشار الأخبار الزائفة والتضليل والمحتويات المضللة، ما يجعل تطوير التواصل الرقمي مرتبطاً أيضاً بضرورة تعزيز المسؤولية السياسية والإعلامية والتحقق من المعلومات واحترام القواعد المنظمة للحملات الانتخابية.
وفي المحصلة، يبدو أن مستقبل الحملات الانتخابية بالمغرب لن يقوم على إلغاء التواصل التقليدي لصالح الرقمنة، بقدر ما سيتجه نحو حملة مزدوجة تجمع بين الحضور الميداني والتواصل الرقمي، مع التركيز على جودة الخطاب ووضوح البرامج وقدرة المرشحين على تقديم حلول واقعية مرتبطة بحاجيات المواطنين.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبقى التحدي الحقيقي أمام الأحزاب والمرشحين هو الانتقال من مجرد تغيير أدوات التواصل إلى تجديد العلاقة مع الناخب، خصوصاً الشباب والنساء، وجعل الحملة الانتخابية مساحة للاستماع والحوار والمساءلة، وليس فقط مناسبة لعرض الشعارات والوعود.