تحولت تجربة عدد من المستفيدين من نظام المقاول الذاتي في المغرب من مشروع واعد لدعم المبادرة الفردية إلى مسار مليء بالتحديات، في ظل شكاوى متزايدة من ضعف التمويل، وارتفاع العبء الضريبي، وتعقيد المساطر الإدارية، وغياب المواكبة المستمرة، وهي عوامل دفعت آلاف المقاولين إلى إغلاق مشاريعهم خلال السنوات الأخيرة.
ومن بين هذه الحالات، يروي محمد الخلوقي، صاحب مشروع للأثاث الخشبي والديكورات المغربية التقليدية، أنه اضطر إلى إغلاق شركته بعد نحو أربع سنوات من تأسيسها، رغم استفادته من برنامج “انطلاقة” وقرض بنكي بقيمة 200 ألف درهم، إلى جانب مدخراته الشخصية. وأوضح أن المشروع انطلق بمؤشرات إيجابية، قبل أن تؤدي موجة ارتفاع الأسعار، وتراجع الطلب، وارتفاع تكاليف التشغيل إلى تآكل أرباحه.
وأضاف أن النظام الضريبي أصبح أحد أبرز أسباب تعثر نشاطه، مشيراً إلى أن النسبة الضريبية التي كانت في البداية منخفضة ارتفعت لاحقاً بالنسبة لفئات معينة من المقاولين، وهو ما زاد من الضغوط المالية على مشروعه، خاصة في ظل ضعف المبيعات وارتفاع التكاليف.
ولا تقتصر هذه الصعوبات على حالة واحدة، إذ واجه عدد من المقاولين الذاتيين تحديات مشابهة، من بينها ضعف التمويل، وازدواجية الاشتراك في التأمين الصحي، وتعقيد الإجراءات الإدارية. ففي مدينة وزان، أكد أحد العاملين في قطاع الصناعة التقليدية أنه اضطر إلى إلغاء مشروعه بعد تراكم الديون، مشيراً إلى أن القرض الذي حصل عليه لم يكن كافياً لتغطية احتياجات المشروع، وأن ضعف النشاط الاقتصادي في المنطقة زاد من صعوبة الاستمرار.
ويأتي ذلك في سياق برنامج أطلقته الدولة بهدف تشجيع التشغيل الذاتي وإدماج الأنشطة غير المهيكلة في الاقتصاد المنظم، من خلال نظام ضريبي مبسط، وتوفير التغطية الصحية وإمكانية الولوج إلى التمويل، بهدف دعم روح المبادرة والحد من البطالة.
غير أن عدداً من الخبراء يعتبرون أن الإشكال لا يكمن في فلسفة البرنامج، وإنما في آليات تنزيله. ويرى مستشارون في مجال المقاولات أن غياب جهة مؤسساتية تتولى مواكبة المقاولين الذاتيين والاستماع إلى مشاكلهم يمثل أحد أبرز نقاط الضعف، إلى جانب محدودية الولوج إلى التمويل، وغياب التأطير بعد انطلاق المشاريع.
وفي السياق ذاته، يؤكد فاعلون في مجال المقاولات الصغرى أن الشباب يحتاجون إلى منظومة متكاملة تشمل التكوين، والمواكبة لعدة سنوات، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتسهيل الولوج إلى الأسواق، فضلاً عن تحفيزات ضريبية خلال السنوات الأولى، بالنظر إلى أن أغلب المشاريع الناشئة لا تحقق أرباحاً في بداياتها.
وتعزز هذه المطالب مع تسجيل انسحاب نحو 170 ألف مقاول ذاتي خلال أقل من عام، من أصل حوالي 440 ألفاً مسجلين بالنظام، وهو ما يثير تساؤلات حول فعالية البرنامج وقدرته على تحقيق أهدافه في دعم التشغيل الذاتي وإدماج الاقتصاد غير المهيكل.
في المقابل، يرى مختصون أن إصلاح نظام المقاول الذاتي يظل ممكناً، من خلال مراجعة شاملة لمنظومة الدعم، والاستفادة من تجارب دولية نجحت في مواكبة المقاولات الصغيرة عبر توفير التمويل، والتكوين، والمرافقة المستمرة، وإشراك ممثلي هذه الفئة في صياغة السياسات الاقتصادية، بما يعزز مساهمة المقاولات الصغرى في التنمية وخلق فرص الشغل.