أكد البنك الدولي، في أحدث تقرير له حول الاقتصاد المغربي، أن سوق الشغل لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية رغم التحسن الذي شهده الاقتصاد خلال سنة 2025، محذرًا من تداعيات الصراع في الشرق الأوسط على النمو الوطني، ومشددًا على أن التحول الرقمي سيكون العامل الحاسم في رفع إنتاجية الشركات المغربية خلال السنوات المقبلة.
وأوضح التقرير، المعنون “ترسيخ النمو.. التحول الرقمي كدافع للإنتاجية”، أن الاقتصاد المغربي نجح في مضاعفة فرص العمل المستحدثة خلال سنة 2025، إلا أن 22.5 في المائة من السكان النشيطين ما زالوا إما عاطلين عن العمل أو يشتغلون بشكل ناقص أو توقفوا عن البحث عن فرصة عمل، وهو ما يعكس استمرار هشاشة سوق الشغل، خاصة في صفوف الشباب والنساء.
وأشار التقرير إلى أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل لا تتجاوز 17.5 في المائة، وهي من بين أدنى المعدلات عالميًا، حيث يحتل المغرب المرتبة 186 من أصل 195 دولة، مقابل متوسط عالمي يقارب 51 في المائة. كما بلغ عدد الأشخاص الذين يرغبون في العمل لكنهم توقفوا عن البحث عن وظيفة نحو 884 ألف شخص، معظمهم في الوسط الحضري.
وأكد البنك الدولي أن النساء يواجهن تحديات إضافية، من بينها تفاوت الأجور، وصعوبة الولوج إلى وسائل نقل آمنة، ونقص خدمات رعاية الأطفال، إلى جانب ظروف عمل لا تساعد على التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، داعيًا إلى معالجة هذه الإكراهات من أجل رفع نسبة مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي.
كما سجل التقرير استمرار الصعوبات التي تواجه الشباب عند الولوج إلى سوق الشغل، موضحًا أن الفئات الأقل تعليمًا تعاني من نقص المهارات المطلوبة، بينما يواجه أصحاب المؤهلات العليا محدودية فرص العمل التي تتناسب مع مستويات تكوينهم.
وفي الجانب الاقتصادي، حذر البنك الدولي من انعكاسات الصراع في الشرق الأوسط على الاقتصاد المغربي، باعتباره بلدًا مستوردًا صافيًا للنفط، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات واضطرابات سلاسل الإمداد تؤثر على التضخم، والمالية العمومية، والميزان الخارجي، وتكلفة الإنتاج في عدد من القطاعات.
وتوقع التقرير أن يسجل الاقتصاد المغربي نموًا بنسبة 4.2 في المائة خلال سنة 2026، وهو معدل يقل بنحو 0.8 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة للحرب، مرجعًا ذلك إلى استمرار الاضطرابات الجيوسياسية وتأثيرها على التجارة العالمية وسلاسل التوريد.
كما نبه إلى أن القطاع الفلاحي قد يتأثر بارتفاع أسعار الأسمدة بنحو 38 في المائة خلال سنة 2026، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالجفاف وتقلبات المناخ، والتي قد تؤثر على الإنتاج الفلاحي والتشغيل في العالم القروي وأسعار المواد الغذائية.
وفي المقابل، اعتبر البنك الدولي أن التحول الرقمي يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز الإنتاجية، مبرزًا أن أقل من 20 في المائة من الشركات المغربية تعتمد بشكل مكثف التقنيات الرقمية المتقدمة، مثل أنظمة إدارة المؤسسات، ومنصات إدارة الزبناء، وأدوات التجارة الإلكترونية.
وأوضح التقرير أن الشركات التي تعتمد هذه التقنيات تحقق مكاسب في الإنتاجية تصل إلى 70 في المائة، وترفع معدلات التوظيف بحوالي 10 في المائة، كما تدفع أجورًا أعلى بنسبة 27 في المائة في المتوسط، مشيرًا إلى أن تقليص الفجوة الرقمية إلى مستوى الدول المماثلة قد يرفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد المغربي بما بين 10 و15 في المائة.
ورغم هذه التحديات، أبرز البنك الدولي أن المغرب يعيش أقوى دورة نمو اقتصادي منذ أكثر من عقد، مع توقع بلوغ نمو الناتج الداخلي الإجمالي 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مدفوعًا بأداء قطاعات الزراعة، والسياحة، والصناعة، والبناء، والاستثمارات الكبرى المرتبطة بمشاريع البنية التحتية والاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030.
وأضاف التقرير أن معدل التضخم ظل منخفضًا عند 0.8 في المائة، فيما تراجع عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مع استقرار دين الحكومة في حدود 67 في المائة من الناتج، واستمرار تحسن المؤشرات المالية، إلى جانب رفع التصنيف السيادي للمغرب إلى درجة استثمارية من قبل وكالة ستاندرد آند بورز.