بعد الانتخابات.. ماذا ينتظر المواطن المغربي من الحكومة المقبلة؟

مجلة اصوات

بعد إسدال الستار على الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، تنتقل الأنظار من صناديق الاقتراع ونتائجها إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمغاربة: تشكيل الحكومة المقبلة وقدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

فالمواطن الذي توجه إلى صناديق الاقتراع لا ينتظر فقط حكومة جديدة بأسماء وبرامج جديدة، وإنما ينتظر إجراءات ملموسة في ملفات تمس حياته اليومية، وفي مقدمتها التشغيل، والقدرة الشرائية، والتعليم، والصحة، والسكن، والماء، وتحسين الخدمات العمومية.

وتأتي هذه الانتظارات في سياق اقتصادي واجتماعي يفرض على الحكومة المقبلة التعامل مع مؤشرات دقيقة، من بينها استمرار ارتفاع البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، وتذبذب أسعار عدد من المواد والخدمات.

التشغيل.. الملف الأكثر إلحاحاً

يبرز التشغيل باعتباره أحد أكبر التحديات التي ستواجه الحكومة المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار ارتفاع البطالة بين الشباب.

وحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغت نسبة البطالة خلال الفصل الأول من سنة 2026 10.8 في المائة، فيما وصلت إلى 29.2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة.

وتضع هذه الأرقام الحكومة المقبلة أمام تحدي خلق فرص شغل مستدامة، ليس فقط من خلال البرامج المؤقتة، وإنما عبر دعم الاستثمار المنتج، وتقوية القطاعات القادرة على خلق وظائف، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب، لا يقاس نجاح السياسات العمومية بعدد البرامج المعلنة، وإنما بمدى توفر فرصة عمل مستقرة تضمن دخلاً وظروفاً مهنية لائقة.

القدرة الشرائية.. المواطن يريد أن يشعر بالفرق

تظل الأسعار والقدرة الشرائية من الملفات التي ترتبط مباشرة بالمواطن.

وأظهرت أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفع خلال شهر غشت 2026 بنسبة 0.8 في المائة مقارنة بشهر يوليوز، نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية بـ0.9 في المائة والمواد غير الغذائية بـ0.7 في المائة. كما سجلت أسعار المحروقات ارتفاعاً بنسبة 9.8 في المائة خلال الفترة نفسها.

وبالتالي، فإن التحدي أمام الحكومة المقبلة لا يتمثل فقط في الحفاظ على المؤشرات الاقتصادية الكبرى، وإنما في ضمان انعكاس الاستقرار الاقتصادي على القدرة الشرائية للأسر.

فالمواطن يريد أن يعرف: هل سيصبح دخله قادراً على تغطية تكاليف الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة؟ وهل ستتمكن الحكومة من الحد من الضغوط التي تواجه الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط؟

التعليم.. من الإصلاحات إلى جودة المدرسة

يظل التعليم أحد الملفات التي تتطلب سياسة طويلة الأمد، لأن نتائج الإصلاح لا تقاس فقط بعدد المؤسسات التعليمية أو البرامج التي يتم إطلاقها، وإنما بمستوى التعلمات، ومعدلات الهدر المدرسي، وظروف المدرسين، وقدرة المدرسة على ضمان تكافؤ الفرص.

وتنتظر الحكومة المقبلة مهمة مواصلة إصلاح المنظومة التعليمية، مع التركيز على جودة التعليم وربط التكوين بالحاجيات الجديدة للاقتصاد وسوق العمل.

كما يطرح الواقع التعليمي سؤالاً أوسع يتعلق بالفوارق بين المناطق، ومدى استفادة التلاميذ في العالم القروي والمناطق النائية من خدمات تعليمية مماثلة لتلك المتوفرة في المدن.

الصحة.. المواطن يريد علاجاً متاحاً وخدمة عمومية فعالة

في قطاع الصحة، تتجاوز انتظارات المواطنين مسألة بناء المستشفيات أو إطلاق البرامج الصحية إلى سؤال جوهري: هل يستطيع المواطن الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب وبجودة مناسبة؟

ومن بين الملفات المطروحة أمام الحكومة المقبلة توفير الموارد البشرية، وتحسين التجهيزات، وتقليص آجال الانتظار، وتعزيز الخدمات الصحية في المناطق التي تعاني نقصاً في الأطر والتخصصات.

كما سيكون إصلاح المنظومة الصحية مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على جعل الحماية الاجتماعية أكثر فعالية، بحيث لا تتحول التغطية الصحية إلى مجرد تسجيل إداري، وإنما إلى خدمة يستفيد منها المواطن فعلياً عند حاجته إلى العلاج.

السكن.. تحدي الشباب والأسر

يشكل السكن بدوره أحد الملفات الاجتماعية التي تنتظر معالجة مستمرة، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والأسر ذات الدخل المحدود.

فارتفاع تكاليف العقار والإيجار، إلى جانب صعوبة توفير التمويل بالنسبة إلى بعض الفئات، يجعل من السكن قضية مرتبطة مباشرة بالتشغيل والدخل والقدرة الشرائية.

ومن هنا، فإن أي سياسة سكنية ناجعة تحتاج إلى استهداف الفئات المحتاجة فعلياً، مع ضمان العدالة المجالية وتوفير السكن بالقرب من فرص العمل والخدمات الأساسية.

الماء.. تحدٍ استراتيجي للمغرب

لا يقل ملف الماء أهمية عن التشغيل والصحة والتعليم، خصوصاً في ظل التحديات المناخية وتوالي سنوات الإجهاد المائي.

وقد أصبح الأمن المائي ملفاً استراتيجياً، يتطلب مواصلة الاستثمار في تحلية مياه البحر، وبناء السدود، وإعادة استعمال المياه العادمة، وترشيد استهلاك الموارد المائية.

لكن التحدي لا يرتبط فقط بإنجاز المشاريع الكبرى، وإنما بضمان وصول الماء إلى المواطن والفلاح والمقاولة بشكل مستدام، مع تحقيق التوازن بين حاجيات مختلف القطاعات والمناطق.

ماذا يعني أن تكون الحكومة مسؤولة أمام المواطن؟

الانتخابات تمنح الأحزاب والمنتخبين تفويضاً سياسياً، لكن هذا التفويض لا ينتهي عند إعلان النتائج، بل يبدأ معه امتحان آخر يتعلق بمدى تنفيذ البرامج والوعود.

ويحدد الدستور المغربي إطاراً واضحاً لعمل الحكومة؛ إذ ينص الفصل 88 على أن رئيس الحكومة يعرض أمام البرلمان البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويتضمن الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف المجالات.

كما ينص الفصل 89 على أن الحكومة تعمل على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين.

وبذلك، فإن البرنامج الحكومي المقبل يمكن أن يشكل أساساً عملياً لمتابعة مدى تنفيذ الالتزامات المعلنة، وليس مجرد وثيقة سياسية تقدم عند بداية الولاية.

الحكومة المقبلة أمام امتحان الثقة

بعد الانتخابات التشريعية، لن يكون التحدي الأساسي هو تشكيل حكومة جديدة فقط، بل بناء علاقة أكثر ارتباطاً بالنتائج بين المؤسسات والمواطن.

فالمواطن يريد أن يرى أثر السياسات العمومية في المدرسة والمستشفى وسوق الشغل والأسعار والسكن والماء والإدارة، وليس فقط في الخطابات والبرامج الانتخابية.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة الحكومة على تحويل الوعود إلى قرارات، والقرارات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج قابلة للقياس.

وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال فقط: ماذا وعدت الحكومة المقبلة المواطن؟ بل سيكون السؤال الأهم: ماذا أنجزت فعلياً، وما الذي تغير في حياة المواطن؟

فنتائج الانتخابات تحسم توزيع المقاعد، لكن أثر السياسات العمومية هو الذي سيحدد مستوى تقييم المرحلة المقبلة في نظر المواطنين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.