أعادت المواقف الروسية داخل مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء المغربية فتح النقاش حول طبيعة العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وموسكو، وحدود تأثير التباينات السياسية بين البلدين في الملفات الدولية، خصوصاً الحرب الروسية الأوكرانية، على حسابات الكرملين المرتبطة بقضية الوحدة الترابية للمملكة.
ويطرح هذا الموضوع تساؤلات بشأن مدى قدرة المغرب على الحفاظ على توازن علاقاته الدولية، في ظل اختلاف المواقف بشأن عدد من القضايا الجيوسياسية، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا والملفات المرتبطة بتوازنات القوى داخل المؤسسات الأممية.
فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية سنة 2022، حرص المغرب على التأكيد على مبادئ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهي المبادئ التي شكلت أساس مواقفه داخل عدد من المحافل الدولية.
وفي هذا السياق، عبّر المغرب عن موقفه الرافض لضم روسيا أراضي أوكرانية، مستنداً إلى ضرورة احترام القانون الدولي والوحدة الترابية للدول. كما برزت خلال الفترة نفسها قضية تزويد أوكرانيا بقطع غيار ومعدات مرتبطة بالدبابات السوفياتية من طراز T-72، في إطار النقاش حول المواقف المغربية من التطورات العسكرية والسياسية للحرب.
ولاحقاً، تداولت تقارير إعلامية معطيات بشأن نقل دبابات مغربية من طراز T-72B إلى أوكرانيا عبر جمهورية التشيك، ضمن ترتيبات مرتبطة بالدعم العسكري الأوكراني. كما صوت المغرب سنة 2023 لصالح قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو روسيا إلى الانسحاب من الأراضي الأوكرانية المعترف بها دولياً.
وفي سياق دبلوماسي آخر، أثار الموقف المغربي الرافض لمشروع قرار أممي يطالب بإنهاء الحصار المفروض على كوبا نقاشاً إضافياً حول طبيعة الحسابات التي تحكم السياسة الخارجية للمملكة، ومدى ارتباط مواقفها بتوازن المصالح والعلاقات الدولية.
موسكو والرباط.. المصالح قبل الحسابات السياسية
أمام هذه المعطيات، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للمغرب أن ينتظر دعماً روسياً غير مشروط في قضية الصحراء المغربية، في ظل وجود تباينات بين البلدين بشأن عدد من الملفات الدولية الكبرى؟
إن العلاقات الدولية لا تُبنى على العواطف أو التوقعات السياسية وحدها، بل تحكمها المصالح الاستراتيجية والتحالفات وحسابات النفوذ. وروسيا، باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، تتعامل مع القضايا الدولية انطلاقاً من رؤيتها لمصالحها وتوازناتها الجيوسياسية، وليس بالضرورة وفق مواقف الدول الأخرى تجاهها.
ومن هذا المنطلق، فإن اختلاف المواقف بين الرباط وموسكو لا يعني بالضرورة وجود قطيعة سياسية أو تحول في طبيعة العلاقات الثنائية، لكنه يفرض قراءة واقعية لطبيعة التوازنات التي تتحكم في مواقف القوى الكبرى داخل مجلس الأمن.
الصحراء المغربية.. أولوية تتطلب دبلوماسية متعددة المسارات
إن الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة يقتضي اعتماد دبلوماسية واقعية ومتعددة المسارات، قادرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، دون التفريط في الثوابت الوطنية أو الارتهان لحسابات أي طرف.
كما أن الرهان على موقف دولة واحدة، مهما كان وزنها السياسي والعسكري، لا يمكن أن يشكل بديلاً عن تنويع الشراكات وتعزيز الحضور الدبلوماسي المغربي داخل المؤسسات الدولية.
ففي العلاقات الدولية، لا توجد صداقات دائمة أو خصومات أبدية، بل مصالح تتغير وفق موازين القوى والتحولات الجيوسياسية.
ومن هنا، تظل قضية الصحراء المغربية فوق الحسابات الظرفية، وتستدعي استمرار التحرك الدبلوماسي المغربي بثبات ووضوح، مع إدراك أن مواقف الدول داخل مجلس الأمن لا تُحدد فقط بناءً على العلاقات الثنائية، وإنما وفق اعتبارات استراتيجية وسياسية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود المصالح المشتركة.