سعيد يقطين في الشارقة.. من أحياء الصفيح بالدار البيضاء إلى تتويجه شخصية العام الثقافية

مجلة اصوات

الشارقة – مجلة اصوات

استعاد الأكاديمي والناقد المغربي سعيد يقطين محطات من طفولته ومساره العلمي والثقافي، خلال أول جلسة حوارية له عقب تتويجه بلقب «شخصية العام الثقافية» ضمن فعاليات الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب، متوقفاً عند أثر البيئة الشعبية في تشكيل وعيه، وعلاقته بالكتاب والسرد والثقافة الشعبية.

وخلال اللقاء الذي أدارته شيخة المطيري، قدم يقطين شهادة شخصية وفكرية انطلق فيها من طفولته بمدينة الدار البيضاء، وتحديداً من أحد أحياء الصفيح، مستحضراً الأجواء الاجتماعية والثقافية التي ساهمت في تشكيل اهتماماته المبكرة، قبل انتقاله إلى مدينة فاس ومواصلة دراسته الأكاديمية.

طفولة في أحياء الصفيح صنعت الوعي الثقافي

اعتبر يقطين أن الإنسان يظل مرتبطاً ببيئته الأولى، وأن الطفولة تشكل جزءاً أساسياً من هويته مهما تغيرت ظروف حياته. واستعاد في هذا السياق صورة الدار البيضاء باعتبارها مدينة استقبلت موجات من الهجرة من مختلف مناطق المغرب، وهو ما ساهم في ظهور أحياء شعبية ومدن صفيح احتضنت تنوعاً اجتماعياً وثقافياً واسعاً.

وتحدث عن الأسواق الشعبية والحكايات والأغاني وحلقات الفرجة التي كانت تجمع رواة السير الشعبية، مستحضراً شخصيات مثل حمزة البهلوان وعنترة بن شداد والأميرة ذات الهمة، باعتبارها عوالم سردية أثارت فضوله منذ سنوات الدراسة الابتدائية.

وأوضح أن متابعته لهذه الحلقات، وما كانت تتضمنه من لغة غنية بالتعبير والسجع والوصف، ساهمت في توجيه اهتمامه نحو الثقافة الشعبية والسرد، إلى جانب شغفه المبكر بقراءة القصص وكتب السير التي كان يقتنيها من باعة الكتب في الأسواق.

من الدار البيضاء إلى فاس.. الكتاب بوابة المسار الأكاديمي

واستحضر الناقد المغربي انتقاله إلى فاس لمتابعة دراسته، حيث وجد نفسه أمام بيئة مختلفة، واصفاً تلك المرحلة بأنها امتداد لعلاقته بالقراءة والكتاب، بعدما أصبحت حياته موزعة بين الجامعة والمكتبة.

وأشار إلى أن تجربته المبكرة جمعته بين عوالم متباينة، من الأسواق الشعبية والفضاءات الدينية إلى الدراسة الأكاديمية، معتبراً أن هذه التعددية ساهمت في تشكيل نظرته إلى المجتمع والثقافة.

مدن الصفيح والذاكرة العمرانية

وتوقف يقطين عند التحولات العمرانية التي عرفتها المدن المغربية، منتقداً اختفاء عدد من الفضاءات الشعبية التي كانت تحتضن الأسواق التقليدية والتفاعل الاجتماعي والحلقات الفنية.

واعتبر أن بعض أحياء الصفيح، رغم ما ارتبط بها من هشاشة وفوضى عمرانية، كانت تمتلك خصوصيات ثقافية واجتماعية جعلتها فضاءات أصيلة في حياة سكانها، مشيراً إلى أن المدن الحديثة أصبحت تتجه بشكل متزايد نحو المراكز التجارية الكبرى، على حساب الساحات العمومية والأسواق الشعبية.

ودعا في هذا السياق إلى إعادة إحياء الأنشطة الثقافية التقليدية في صيغ جديدة، من خلال توفير فضاءات للحكي والفلكلور والفرجة، بما يمنح الأطفال والأجيال الجديدة فرصة للتعرف على تراثهم المحلي والتفاعل معه.

الثقافة الشعبية.. رافد أساسي للإبداع

وفي حديثه عن مكانة الثقافة الشعبية، ميز يقطين بين تهميشها وبين محدودية الاهتمام الأكاديمي بها، موضحاً أنها ظلت حاضرة في المجتمع عبر التداول الشفاهي، وأسهمت في نقل القيم والتجارب والمعارف بين الأجيال.

وأكد أن الثقافة الشعبية ليست مجرد موروث هامشي، بل تمثل جزءاً من الهوية الجماعية ومصدراً مهماً للإبداع الأدبي، مشدداً على أن ارتباط الكاتب بثقافته المحلية يمنح إنتاجه خصوصيته وقدرته على الانفتاح على العالمية.

وأضاف أن الانفتاح على الثقافات الأخرى يظل ضرورياً، لكنه ينبغي أن ينطلق من معرفة الذات وطرح الأسئلة المرتبطة بالواقع المحلي، حتى يكون الإبداع قادراً على التعبير عن خصوصيات مجتمعه.

الذكاء الاصطناعي والكتاب في مواجهة عزلة الهاتف

وفي معرض حديثه عن التحولات الرقمية، قال يقطين إن السؤال الأساسي لا ينبغي أن ينحصر في مستقبل الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية إعداد جيل جديد قادر على التفاعل مع الكتاب والمعرفة.

وحذر من تنامي العزلة المرتبطة بالاستخدام المفرط للهواتف، معتبراً أن الانغماس في العوالم الرقمية قد يحد من التفكير والتفاعل الثقافي، إذا لم يواكبه جهد تربوي ومؤسساتي يعيد الاعتبار للقراءة والأنشطة الفكرية.

كما شدد على ضرورة تطوير الكتابة القصصية والرواية بما يستجيب لأسئلة الأجيال المقبلة، ويجعل الأدب أكثر ارتباطاً بتحولات العصر.

«تسونامي الرواية» وغياب المواكبة النقدية والإعلامية

وتطرق الناقد المغربي إلى ما وصفه بتزايد الإنتاج الروائي في العالم العربي، مقابل محدودية المواكبة الإعلامية والنقدية التي تسمح بالتعريف بالأعمال الجديدة ومناقشة خصوصياتها الفنية والفكرية.

واعتبر أن الاعتماد المتزايد على الجوائز في التعريف بالروايات يكشف عن نقص في آليات الترويج الثقافي والنقد الأدبي، داعياً إلى تعزيز دور الإعلام والجامعات والمؤسسات الثقافية في ربط العلاقات بين الكتاب والنقاد والقراء.

واستحضر في هذا السياق التجربة الفرنسية، حيث تتزامن العودة المدرسية مع موسم ثقافي يواكب الإصدارات الجديدة وينظم النقاشات واللقاءات الأدبية، معتبراً أن المشهد الثقافي العربي يحتاج إلى تقاليد مؤسساتية مماثلة.

وختم يقطين بالتأكيد على أن العصر الرقمي كان بإمكانه أن يشكل فرصة لتقوية التواصل الثقافي والأكاديمي والإعلامي بين البلدان العربية، بما يساهم في تجاوز التشتت وتعزيز الحوار والإنتاج المعرفي المشترك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.