ترى مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أن الولايات المتحدة تخاطر باستخلاص الدروس الخطأ من حربها مع إيران، معتبرة أن الإخفاق لم يكن نتيجة نقص الذخائر أو قصور لوجستي فحسب، بل ارتبط أساسا بأهداف سياسية وعسكرية اعتبرتها غير قابلة للتحقيق بالقوة الجوية وحدها.
وبحسب تحليل المجلة، فإن الحرب في إيران ومضيق هرمز كشفت عن مأزق استراتيجي أعمق من الثغرات التي ظهرت في العمليات، إذ ركزت بعض القراءات الأمريكية على نقص الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية وكاسحات الألغام، فضلا عن محدودية الاستعداد لمواجهة الطائرات المسيّرة والهجمات التي تستهدف إمدادات الطاقة.
غير أن «فورين بوليسي» ترى أن معالجة هذه النواقص، رغم أهميتها، لم تكن لتغير جوهر النتيجة، لأن إدارة الرئيس دونالد ترامب أسندت إلى الجيش الأمريكي أهدافا تتجاوز ما تستطيع القوة العسكرية وحدها تحقيقه، خصوصا تغيير النظام الإيراني، وتدمير قدراته الصاروخية والمسيّرة، وحماية دول الخليج من الهجمات، من دون اللجوء إلى عمليات برية واسعة.
وفي هذا السياق، تشير المجلة إلى أن التفوق التكنولوجي الكبير للجيش الأمريكي لم يتحول إلى انتصار استراتيجي، رغم تمكن القوات الأمريكية من إسقاط قوتها العسكرية على مسافة تزيد على 7 آلاف ميل من الأراضي الأمريكية والسيطرة على الأجواء الإيرانية بدرجة كبيرة.
وبالمقابل، ترى «فورين بوليسي» أن الصراع لم ينته بالضرورة، وأن إيران قد تخرج منه بهامش أكبر لمواصلة طموحاتها النووية، ونفوذ أوسع على مضيق هرمز، فضلا عن قدرة أكبر على التأثير في دول الخليج.
وتستند المجلة في تحليلها إلى تجارب تاريخية عديدة، معتبرة أن الاعتقاد بإمكانية إسقاط نظام سياسي بالقوة الجوية وحدها ظل موضع اختبار وفشل في أكثر من مناسبة، من الحرب العالمية الثانية إلى فيتنام، وصولا إلى عمليات حلف شمال الأطلسي ضد صربيا.
وفي هذا الصدد، تستحضر «فورين بوليسي» القصف الألماني لبريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، مشيرة إلى أن الغارات لم تؤد إلى دفع البريطانيين نحو الاستسلام، كما أن القصف الجوي المكثف لألمانيا لم يسقط نظام أدولف هتلر.
كما ترى أن تجربة حرب فيتنام قدمت دليلا إضافيا على محدودية القوة الجوية، بعدما ألقت الولايات المتحدة ملايين الأطنان من القنابل دون أن تتمكن من تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية.
وبناء على هذه التجارب، تعتبر المجلة أن احتمال إسقاط النظام الإيراني من خلال القصف الجوي وحده كان ضعيفا للغاية، خصوصا في ظل غياب قوة برية قادرة على استثمار النتائج العسكرية وتحويلها إلى تغيير سياسي على الأرض.
ومن جهة أخرى، تعتبر «فورين بوليسي» أن القضاء على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية من الجو فقط يمثل مهمة أخرى شديدة الصعوبة، بالنظر إلى قدرة منصات الإطلاق المتحركة على الاختفاء وإعادة الانتشار بسرعة.
وتستشهد المجلة بمحاولات سابقة لاستهداف الصواريخ والقذائف، من صواريخ «V-1» و«V-2» الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية إلى صواريخ «سكود» العراقية خلال حرب الخليج، مشيرة إلى أن القصف الجوي لم يكن كافيا للقضاء على قدرات الإطلاق المتحركة.
كما تشير إلى أن التجارب العسكرية الحديثة أظهرت استمرار الحاجة إلى عمليات برية في بعض الحالات لإسكات مصادر إطلاق الصواريخ، رغم التطور الكبير الذي شهدته تقنيات الاستطلاع والضربات الدقيقة.
أما المهمة الثالثة التي تعتبرها المجلة شبه مستحيلة، فتتعلق بإقامة مظلة دفاع صاروخي قادرة على حماية منطقة الخليج بشكل كامل من الهجمات الإيرانية، إذ إن تكلفة الصواريخ والطائرات المسيّرة المهاجمة قد تكون أقل بكثير من تكلفة وسائل اعتراضها.
وترى «فورين بوليسي» أن زيادة الاستثمار في وسائل اعتراض منخفضة التكلفة، إلى جانب توسيع أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى، يمكن أن يرفع مستوى الحماية، لكنه لن يضمن دفاعا مثاليا على المدى الطويل، بسبب قدرة الخصم على إنتاج كميات كبيرة من الوسائل الهجومية.
وفي تقييمها النهائي، تذهب المجلة إلى أن المشكلة لم تكن في الجيش الأمريكي بقدر ما كانت في عملية اتخاذ القرار السياسي، معتبرة أن القوات المسلحة تمتلك قدرات هائلة، لكنها لا تستطيع تحويل أهداف سياسية غير واقعية إلى انتصار استراتيجي بمجرد امتلاكها تفوقا تقنيا كبيرا.
وانتقد التحليل إدارة ترامب بسبب الطريقة التي صيغت بها أهداف الحرب، معتبرا أن مسؤولية ضبط التوقعات السياسية تقع أيضا على القيادة المدنية لوزارة الدفاع، وأن اختيار مسؤولين شديدي الولاء للرئيس قد يضعف قدرة المؤسسات العسكرية على تقديم تقييمات مخالفة للتوجه السياسي السائد.
وفي الخلاصة، تحمل «فورين بوليسي» ترامب ومستشاريه المسؤولية المباشرة عن القرارات التي قادت إلى الحرب، لكنها توسع دائرة المسؤولية لتشمل الناخبين الأمريكيين الذين أعادوا الرئيس إلى البيت الأبيض.
وتحذر المجلة من أن التركيز على زيادة مخزونات الأسلحة وتحسين القدرات اللوجستية وحده قد يحجب الدرس الأهم من الحرب، والمتمثل في ضرورة التمييز بين ما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه وما يتجاوز حدودها، خصوصا عندما تكون الأهداف سياسية واستراتيجية معقدة.