هجرة الأطباء تستنزف صحة المغرب

مجلة أصوات

يغادر نحو 700 طبيب مغربي البلاد سنوياً بحثاً عن فرص مهنية في الخارج، في وقت تواجه فيه المملكة خصاصاً يقدر بنحو 28 ألف طبيب، ما يسلط الضوء مجدداً على تحدي الحفاظ على الكفاءات الطبية وضمان استقرار الموارد البشرية داخل المنظومة الصحية الوطنية، وفق معطيات أوردتها صحيفة «لوموند» الفرنسية.

وبحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة في يوليوز 2026، يغادر ما يقارب ثلث خريجي كليات الطب في المغرب كل عام، استناداً إلى معطيات المنظمات المهنية، مع احتمال أن يكون الحجم الفعلي للهجرة أكبر، بالنظر إلى استمرار عدد من الطلبة في الخارج بعد متابعة تخصصاتهم، فضلاً عن وجود خريجين يخططون للهجرة المهنية منذ بداية مسارهم الدراسي.

وفي هذا السياق، اعتبرت جميلة شقروني، الخبيرة في ديناميات الهجرة والأستاذة بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن هجرة الأطباء لا تمثل ظاهرة ظرفية، وإنما تعكس اتجاهاً طويل الأمد تغذيه صعوبات ممارسة المهنة داخل المغرب، إلى جانب الطلب المتزايد على الكفاءات الطبية في عدد من الدول.

وتأتي فرنسا في مقدمة الوجهات التي تستقطب الأطباء المغاربة، تليها كندا وبلجيكا وألمانيا ودول الخليج، فيما لا يرتبط قرار الهجرة بمستوى الأجور وحده، وإنما يشمل أيضاً ظروف العمل، وآفاق التطور المهني، وتوفر التجهيزات والموارد البشرية، فضلاً عن سياسات استقطاب الكفاءات التي تعتمدها الدول التي تعاني بدورها نقصاً في الأطباء.

ومن جهة أخرى، تعكس شهادات عدد من الطلبة والأطباء التي أوردها التقرير جانباً من دوافع الهجرة، إذ تحدثت طالبة في السنة السابعة بكلية الطب والصيدلة بوجدة عن تحول الهجرة من خيار محدود في بداية مسارها الدراسي إلى توجه أصبح أكثر انتشاراً بين زملائها، مع استعدادها لمتابعة تكوينها في بلجيكا بعد التخرج.

وترتبط هذه الرغبة، بحسب شهادتها، بما عاينته خلال التداريب بالمستشفيات من نقص في بعض الأدوية والمعدات الأساسية، وصعوبات مرتبطة بتوفير شروط الإنعاش والعلاج، وهي عوامل تعزز لدى عدد من الطلبة فكرة البحث عن بيئة مهنية مختلفة خارج البلاد.

وفي المقابل، لا تضمن الهجرة بالضرورة استقراراً مهنياً دائماً، إذ أورد التقرير حالة طبيبة مغربية عادت إلى المملكة سنة 2024 بعد عامين من التخصص في الولايات المتحدة، بسبب صعوبات إدارية مرتبطة بتمديد تأشيرتها، قبل أن تواجه بدورها تحديات مرتبطة بمحدودية التجهيزات والموارد أثناء عملها في مناطق قروية.

وبحسب المعطيات التي نقلتها «لوموند»، فإن الاحتياج الإجمالي إلى مهنيي الصحة في المغرب خلال الفترة 2025-2026 يقدر بنحو 83 ألف منصب، من بينها قرابة 28 ألف منصب مخصص للأطباء، ما يجعل استمرار هجرة الكفاءات أحد العوامل التي تزيد الضغط على الموارد البشرية المتوفرة.

كما يؤدي هذا النزيف، وفق الخبيرة شقروني، إلى زيادة الضغط على الأطباء الذين اختاروا البقاء، وإطالة آجال الاستفادة من العلاج، بينما تتحمل المناطق القروية والنائية جزءاً أكبر من آثار النقص، خصوصاً في ظل صعوبة استقطاب الأطباء والتخصصات المطلوبة إليها.

وتزداد المخاوف بالنسبة إلى بعض التخصصات التي تحظى بطلب مرتفع في الأسواق الدولية، إذ يمكن لاستمرار استقطابها من الخارج أن يعمق الخصاص داخل المنظومة الصحية المغربية، ويدخل القطاع في حلقة مفرغة تتراجع فيها جاذبية ظروف العمل، بما يدفع مزيداً من الأطباء الشباب إلى التفكير في الهجرة.

وتأتي هذه التطورات في ظل الإصلاحات التي أعلنتها الحكومة لتعزيز الموارد البشرية وتحسين ظروف العمل وتطوير البنيات والتجهيزات الصحية، بعد سنوات من الاحتجاجات والنقاشات حول أوضاع القطاع، غير أن آثار هذه الإجراءات على واقع ممارسة المهنة لا تزال، بحسب التقرير، محدودة في نظر عدد من المهنيين.

وفي الجانب المالي، أشارت الصحيفة إلى أن المغرب خصص نحو 6 في المائة من ناتجه الداخلي الإجمالي للصحة سنة 2022، معتبرة أن هذا المستوى ظل دون بعض التوصيات والمعايير الدولية، في وقت واجه فيه القطاع الصحي تاريخياً منافسة من قطاعات أخرى على مستوى أولويات الاستثمار العمومي.

ولا تتوقف كلفة هجرة الأطباء عند النقص في الموارد البشرية، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي، باعتبار أن الدولة تستثمر سنوات طويلة وأموالاً عمومية في تكوين الطبيب قبل أن تنتقل خبرته إلى منظومة صحية أجنبية تستفيد من كفاءته.

وترى شقروني أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تقوم على منع الأطباء من مغادرة البلاد، وإنما على معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك، من خلال تحسين ظروف العمل، وتوفير آفاق مهنية واضحة، وتعزيز فرص التطور والعودة إلى المغرب.

وهكذا، تضع هجرة الأطباء المنظومة الصحية المغربية أمام تحد مزدوج يتمثل في تكوين أعداد أكبر من الكفاءات الطبية، وفي الوقت نفسه توفير الشروط الكفيلة بالاحتفاظ بها داخل البلاد، حتى يتحول الاستثمار العمومي في التكوين الطبي إلى خدمة مستدامة لصالح المرضى والمنظومة الصحية الوطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.