أثبت المغرب، خلال محاولة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة في 15 غشت، قدرته على وقف تدفقات الهجرة غير النظامية عندما يعبئ إمكاناته الأمنية بشكل مكثف، وفق صحيفة «إلباييس» الإسبانية، التي اعتبرت أن الانتشار الأمني المغربي أعاد التأكيد على الدور المحوري الذي تضطلع به الرباط في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بإفريقيا.
وبحسب الصحيفة، حشدت السلطات المغربية أعداداً كبيرة من قوات الأمن لمنع مئات المهاجرين المنحدرين من إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب مغاربة ومواطنين من دول أخرى، من الوصول إلى السياج الحدودي لمدينة سبتة، في تحرك وصفته بأنه أظهر «أقصى درجات القوة السياسية والأمنية».
وفي هذا السياق، حظي الأداء الأمني المغربي باهتمام خاص لدى السلطات الإسبانية، إذ اعتبرت مصادر شرطية أن أحداث 15 غشت أكدت مرة أخرى الدور الحاسم الذي يؤديه المغرب في منع محاولات الوصول إلى سبتة، خاصة بعد التباين الواضح بين أحداث 30 يوليوز وما جرى في منتصف غشت.
ونقلت «إلباييس» عن مسؤول أمني إسباني رفيع المستوى قوله إن السلطات المغربية «عندما تريد، تغلق الطريق أمام المهاجرين غير النظاميين الذين يحاولون الوصول إلى الحدود»، في إشارة إلى حجم التعبئة الأمنية التي رافقت محاولة العبور الأخيرة.
وقبل أحداث 30 يوليوز، كانت المراقبة الإسبانية المعتادة لسياج سبتة تعتمد، بحسب الصحيفة، على نحو 60 عنصراً من مجموعة الاحتياط والأمن التابعة للحرس المدني، إلى جانب ستة زوارق تابعة للجهاز نفسه، غير أن هذا الانتشار لم يكن كافياً أمام حجم محاولة العبور الجماعي آنذاك.
أما في 15 غشت، فقد كان في سبتة 880 شرطياً وطنياً و714 عنصراً من الحرس المدني، وفق الأرقام التي قدمها وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، إضافة إلى نحو ألفي عسكري، ما رفع مجموع القوات المتاحة إلى قرابة 3600 عنصر، وإن لم يكن جميعهم متمركزين مباشرة عند الحدود.
ويأتي هذا الانتشار في سياق توترات دبلوماسية غير معلنة بين الرباط ومدريد استمرت لأكثر من أسبوعين، وشهدت مطالبات جديدة بشأن السيادة على سبتة ومليلية، فضلاً عن تهديدات بتعليق اتفاقية تسليم المطلوبين واتهامات بشأن معاملة قوات الأمن لمهاجرين، بينهم قاصرون.
وفي الجانب الإسباني، أشارت «إلباييس» إلى أن عدداً من وزراء الحزب الاشتراكي عملوا على تهدئة العلاقات مع الرباط، باستثناء وزيرة الدفاع مارغاريتا روبليس، فيما برز وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا باعتباره أحد أبرز المدافعين عن الحفاظ على التعاون الأمني مع المغرب.
كما تجنب مارلاسكا تحميل الرباط مسؤولية أحداث 30 يوليوز، وواصل التأكيد على أهمية التعاون الأمني بين البلدين، واصفاً إياه بأنه «استثنائي وغير مسبوق»، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية.
وأكد الوزير الإسباني أن هذا التعاون أتاح إعادة أكثر من 90 في المائة ممن دخلوا سبتة خلال تلك الأحداث إلى المغرب في غضون 24 ساعة، غير أن إعادة من بقي في المدينة تتطلب إجراءات أطول، بسبب ضرورة تحديد هوية كل مهاجر بشكل فردي واستكمال الضمانات القانونية المرتبطة بعملية الإعادة.
وتزداد الإجراءات تعقيداً بالنسبة إلى القاصرين غير المصحوبين، إذ أفادت «إلباييس» بأن 1898 قاصراً من هذه الفئة وصلوا إلى سبتة وتم تسجيلهم، بينما تتطلب إعادتهم إعداد تقارير من الجانب المغربي بشأن أوضاعهم الأسرية، إلى جانب إجراءات من النيابة العامة الإسبانية.
وفي الوقت نفسه، تقدر الحكومة المركزية الإسبانية أن نحو 8000 شخص ما زالوا في سبتة، بينما تعتقد حكومة المدينة أن العدد قد يكون أكبر، وسط ضغوط متزايدة على الخدمات والمرافق وقلق لدى السكان، خصوصاً في الأحياء التي تواجه تدفقاً كبيراً للمهاجرين.
وتتوقع الحكومة الإسبانية أن تضطر إلى التكفل باستقبال نحو 5000 شخص، بينهم قرابة 2500 قاصر وعدد مماثل من طالبي اللجوء المحتملين، فيما أقام عدد من المهاجرين المنحدرين من إفريقيا جنوب الصحراء تجمعاً في منطقة شاطئية تعرف باسم «إل ترامبولين».
وبالتزامن مع ذلك، تراجعت عمليات العودة الجماعية التي سجلت خلال الأيام الأولى، وتحولت إلى عمليات متفرقة عبر معبر طرخال، فيما غادر نحو 600 مهاجر الأراضي الإسبانية طوعاً حتى الخميس، وفق مندوبية الحكومة، بينما ظل آلاف آخرون يعيشون في ظروف صعبة، وينام بعضهم على الرمال أو الأرض.
كما سلطت التغطية الميدانية للصحيفة الضوء على أوضاع القاصرين والنساء، إذ جرى نقل عشرات الفتيات والشابات إلى مستودع صناعي في حي الأمير بعد تسجيل مخاوف بشأن تعرضهن لاعتداءات، في حين ظل عدد من القاصرين غير المصحوبين ينامون في العراء بمنطقة طرخال.
وبذلك، تبرز أحداث 15 غشت، وفق القراءة التي قدمتها «إلباييس»، التناقض بين قدرة المغرب على إحكام السيطرة على محيط سبتة عندما يعبئ قواته الأمنية على نطاق واسع، وبين استمرار الأزمة الإنسانية والقانونية داخل المدينة الإسبانية، حيث لا تزال السلطات تواجه تداعيات موجة العبور الجماعي الأخيرة.
وفي المحصلة، تعكس التطورات استمرار اعتماد إسبانيا والاتحاد الأوروبي على التعاون مع المغرب في ضبط الهجرة على حدودهما الجنوبية، بينما تكشف الأوضاع داخل سبتة أن الحسم الأمني للعبور لا ينهي بالضرورة التداعيات الإنسانية والقانونية للهجرة غير النظامية.