غابة 33 بالمنصورية.. جريمة تهز الرأي العام وتضع التدبير الأمني أمام اختبار الحقيقة والمحاسبة

مجلة اصوات

تقرير وتحليل | هيئة تحرير مجلة أصوات
أعادت فاجعة العثور على جثتي شابين داخل غابة 33 بجماعة المنصورية، التابعة لإقليم بنسليمان، النقاش حول الوضع الأمني بهذا الفضاء إلى الواجهة، وفتحت الباب أمام تساؤلات جدية تتجاوز ملابسات الواقعة نفسها، لتلامس مدى نجاعة التدبير الأمني، واستمرارية المراقبة، والتعامل مع المخاوف التي ظلت تتداولها بعض الأوساط المحلية بشأن أنشطة مشبوهة محتملة داخل المنطقة.
إن العثور على جثتين في ظروف تستدعي التحقيق لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد حادث معزول قبل الكشف عن جميع ملابساته. فالأولوية اليوم هي تحديد أسباب الوفاة، وإعادة بناء تسلسل الأحداث، وتحديد ما إذا كانت الواقعة مرتبطة بفعل إجرامي، مع ترتيب المسؤوليات بناء على الأدلة والنتائج التي ستسفر عنها الأبحاث القضائية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل تكشف هذه الفاجعة عن وجود اختلالات أعمق في مراقبة بعض الفضاءات الغابوية، أم أننا أمام واقعة جنائية تستدعي معالجة خاصة دون تعميم الأحكام؟
مقاطع متداولة ترفع منسوب القلق
وزاد تداول مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي من حدة الجدل، بعدما أظهرت مشاهد قيل إنها توثق شباناً يرمون مواد يشتبه في كونها مخدرات في اتجاه سيارات تابعة للدرك الملكي، وسط عبارات أثارت استياء وتفاعلاً واسعاً.
وتستدعي هذه المشاهد التحقق من صحتها وسياقها وتاريخ تصويرها، كما تطرح تساؤلات حول طبيعة التحديات التي تواجه المصالح الأمنية في التعامل مع الأنشطة غير القانونية المحتملة.
غير أن المهنية الصحفية تقتضي عدم اعتبار هذه المقاطع دليلاً نهائياً على وجود شبكة إجرامية أو إثباتاً لتقصير جهة معينة، ما لم تؤكد ذلك التحقيقات والمعطيات الرسمية.
من الحملات الأمنية إلى سؤال الاستمرارية
إن الحملات التمشيطية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا ظلت مرتبطة بالظرفية فقط. فالمناطق التي تثير مخاوف أمنية تحتاج إلى استراتيجية متواصلة تقوم على الرصد والتتبع والتدخل الاستباقي والتنسيق بين مختلف المصالح المختصة.
ومن هنا تبرز ضرورة تقييم نتائج التدخلات السابقة، والوقوف على مدى استمرارية أثرها، وتحديد طبيعة الإكراهات التي قد تواجه العناصر الأمنية في الميدان.
كما أن حماية المواطنين لا تتحقق فقط بتكثيف الدوريات، بل تتطلب أيضاً معالجة الأسباب التي قد تسمح بتحول بعض الفضاءات إلى مناطق تستغل في أنشطة غير مشروعة.
هل يستدعي الملف تحقيقاً إدارياً موازياً؟
إلى جانب البحث القضائي المرتبط بوفاة الشابين، تبرز أهمية تقييم إداري موضوعي لطريقة تدبير الوضع الأمني بالمنطقة، من أجل الإجابة عن تساؤلات الرأي العام، من بينها:
هل سبق تسجيل شكايات أو إشعارات بشأن أنشطة مشبوهة داخل الغابة؟
ما طبيعة التدخلات الأمنية التي جرى تنفيذها خلال الفترة السابقة؟
هل كانت هناك آليات منتظمة لمراقبة الفضاء الغابوي ومحيطه؟
ما مدى التنسيق بين المصالح الأمنية والسلطات المحلية؟
وهل كشفت عمليات التقييم السابقة عن اختلالات تستوجب المعالجة؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني توجيه اتهامات مسبقة إلى مؤسسة الدرك الملكي أو التشكيك في مجهودات عناصرها، وإنما يعكس حق المجتمع في معرفة حقيقة الوضع، وضمان عدم تكرار المآسي.
المحاسبة لا تتعارض مع احترام المؤسسات
إن قوة المؤسسات الأمنية تقاس بمدى قدرتها على حماية المواطنين، والتفاعل مع المخاطر، وتصحيح الاختلالات متى ثبت وجودها. كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يشكل ضمانة أساسية لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وفي المقابل، ينبغي التمييز بين المسؤولية المهنية الفردية والمجهودات التي تبذلها العناصر الأمنية في ظروف ميدانية صعبة، حتى لا تتحول المطالب المشروعة بالشفافية إلى أحكام جماعية غير منصفة.
غابة 33 أمام امتحان الحقيقة
إن قضية غابة 33 بالمنصورية أصبحت تستدعي معالجة شاملة، تبدأ بالكشف عن الحقيقة الكاملة وراء وفاة الشابين، ولا تنتهي عند تقييم الوضع الأمني والوقائي بالمنطقة.
فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بعمليات تمشيط ظرفية أو بيانات مقتضبة، بل تقديم أجوبة واضحة للرأي العام، وتعزيز المراقبة المستمرة، والتعامل الجدي مع كل الشكايات والمعطيات التي يمكن أن تساعد على حماية المواطنين.
وتنتظر ساكنة المنصورية وبنسليمان والمناطق المجاورة نتائج التحقيقات والإجراءات التي ستتخذها الجهات المختصة.
الخلاصة:
إن غابة 33 لم تعد مجرد فضاء غابوي في نظر الرأي العام، بل أصبحت عنواناً لأسئلة أمنية ومجتمعية تستوجب أجوبة مسؤولة. والحقيقة وحدها كفيلة بتحديد طبيعة ما وقع، وكشف المسؤوليات إن وجدت، ووضع حد لكل مظاهر الانفلات الإجرامي المحتملة.
فلا حماية لهيبة المؤسسات دون الشفافية، ولا ثقة دون وضوح، ولا محاسبة دون أدلة وتحقيقات نزيهة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.