خبراء يدعون لتشديد مواجهة تحريض الهجرة

مجلة أصوات

دعا باحثان ومتخصصان في المجال الرقمي منصتي «ميتا» و«تيك توك» إلى تكثيف جهودهما لمواجهة الحملات الرقمية التي تحرض على الهجرة غير النظامية، معتبرين أن الإجراءات التحذيرية التي اعتمدتها المنصتان عقب أحداث سبتة تمثل خطوة وقائية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لوقف شبكات منظمة تستغل الفضاء الرقمي للتعبئة والتنسيق.

وفي هذا السياق، أوضح حسن خرجوج، الباحث والخبير في المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن ما يظهر في منصات «ميتا» عند البحث عن مواضيع مرتبطة بالهجرة غير النظامية يشبه نظاماً للتدخل الوقائي داخل تجربة البحث، وليس حظراً مباشراً لمحتوى الهجرة.

وأشار خرجوج إلى أن المنصة تحاول تحديد المستخدمين الذين يبحثون عن معلومات مرتبطة بالهجرة غير النظامية، قبل توجيههم نحو معلومات تتعلق بالهجرة القانونية، بالاعتماد على مجموعة من المؤشرات تشمل الكلمات المستخدمة والسياق وعبارات مرتبطة بالتهريب وسلوك المستخدم.

غير أن الباحث اعتبر أن هذه الآلية لا تستهدف الحملات الرقمية في حد ذاتها، وإنما تحاول الحد من قدرة المنصة على لعب دور حلقة وصل بين الراغبين في الهجرة غير النظامية والشبكات التي تقدم خدمات غير قانونية.

وفي المقابل، شدد خرجوج على أن هذه الإجراءات لن تكون كافية بمفردها، لأن شبكات الهجرة غير النظامية لا تعتمد على منشور واحد أو كلمة محددة، وإنما تعمل من خلال منظومات تضم حسابات ومجموعات ورسائل خاصة، مع انتقال سريع بين المنصات وتغيير مستمر للمصطلحات والروابط المستخدمة.

وبناء على ذلك، يرى الخبير أن مواجهة هذه الشبكات تقتضي الانتقال من تحليل مضمون المنشورات إلى دراسة السلوك الرقمي للحسابات، وطبيعة العلاقات التي تنشئها، والروابط التي تستخدمها، وأنماط إنشاء الحسابات والتفاعل بينها، بما يسمح باكتشاف الشبكات المنسقة بدل الاكتفاء بمراقبة الكلمات المفتاحية.

كما لفت إلى أن «ميتا» تميز، وفق سياساتها، بين النقاش السياسي المشروع حول الهجرة والمحتويات التي تتضمن تهديداً للمهاجرين أو تجريداً لهم من إنسانيتهم، مشيراً إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الشبكات المنظمة على التحايل على قواعد المنصات وتغيير أساليبها باستمرار.

وفي السياق ذاته، حذر خرجوج من توسع شبكات رقمية منظمة يمكن أن تستغل المنصات في عمليات التجييش، معتبراً أن مواجهة الظاهرة تتطلب تنسيقاً بين عدد كبير من الشركات الرقمية والاجتماعية، بالنظر إلى انتقال المستخدمين والحملات بسرعة من منصة إلى أخرى.

ومن جهته، اعتبر الطيب الهزاز، الخبير في المجال الرقمي، أن ظهور الرسائل التحذيرية عند البحث عن محتويات مرتبطة بالهجرة يمثل نظام تدخل وقائياً وطبقة من السلامة المعلوماتية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوجيه المستخدمين نحو مصادر أكثر موثوقية.

وأوضح الهزاز أن التعامل مع المحتوى الرقمي يقوم على ثلاثة مستويات أساسية، تتمثل في إزالة المحتوى المخالف، وخفض انتشاره، ثم التدخل في تجربة البحث نفسها، مشيراً إلى أن المنصات تزيل المحتويات التي توفر خدمات للتهريب أو تنسق بشكل فعلي عمليات العبور، بينما تسمح بالمحتوى الصحفي والتوعوي.

وأكد الخبير أن حملات التحريض على الهجرة أصبحت عبارة عن سلسلة رقمية متكاملة تبدأ بحسابات تنشر المحتوى، ثم تتوسع عبر التعليقات والمجموعات المغلقة، وهو ما يجعل مواجهتها أكثر تعقيداً من مجرد حذف منشورات منفردة.

وأضاف أن الإجراءات التحذيرية يمكن أن تساهم في الحد من التعبئة من خلال رفع كلفة الوصول إلى المعلومات المضللة، لكنها تظل محدودة أمام الحملات التي تنتقل إلى التشفير والرموز والحسابات البديلة.

وتزامناً مع الأحداث المرتبطة بمحاولات العبور الجماعي نحو سبتة في 15 غشت، أشار الهزاز إلى تشديد منصتي «ميتا» و«تيك توك» إجراءات التحقق والتعامل مع المحتويات المرتبطة بدعوات العبور الجماعي، معتبراً أن المواجهة أصبحت سباقاً بين سرعة الخوارزميات وقدرة الحملات المنظمة على التكيف.

وفي المقابل، حذر الهزاز من أن تتحول الإجراءات التقنية إلى رقابة عمياء يمكن أن تمس الصحافة والنقاش العمومي، مشدداً على ضرورة قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على فهم السياق والتمييز بين التوثيق الصحفي والمحتوى التوعوي من جهة، ومحاولات تنظيم العبور غير النظامي من جهة أخرى.

ويرى الخبير أن انتقال «ميتا» من مراقبة المحتوى بعد انتشاره إلى التدخل في بيئة انتشاره يمثل تطوراً مهماً، لكن نجاحه ينبغي أن يقاس بمدى القدرة على تعطيل سلسلة الانتشار كاملة، وليس فقط بعدد المنشورات التي جرى حذفها.

وبذلك، يخلص الباحثان إلى أن مواجهة التحريض الرقمي على الهجرة تحتاج إلى مقاربة تتجاوز حذف المحتويات، عبر الجمع بين الذكاء الاصطناعي وتحليل الشبكات والتنسيق بين المنصات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية الصحافة والنقاش العمومي ومنع الخلط بين التعبير المشروع والتحريض على العبور غير النظامي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.