سبتة.. عندما تحول حلم الهجرة إلى مأساة جماعية

مجلة أصوات

تحولت الحدود الفاصلة بين مدينة الفنيدق ومدينة سبتة المحتلة، خلال الأيام الأخيرة، إلى مسرح لأكبر موجة هجرة غير نظامية تشهدها المنطقة منذ سنوات، بعدما توافد آلاف الأشخاص من مختلف مناطق المملكة في محاولة جماعية للوصول إلى الضفة الأخرى، في مشاهد أعادت إلى الواجهة النقاش حول أسباب الهجرة، وفعالية المقاربة الأمنية، ودور شبكات الاتجار بالبشر، فضلاً عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الشباب إلى المجازفة بحياتهم.

وخلال ساعات قليلة، تبدلت ملامح المدينة بشكل لافت، إذ تدفق رجال ونساء وشباب وقاصرون، قدموا من مدن متفرقة، نحو محيط المعابر الحدودية، مدفوعين بأمل عبور الحدود نحو أوروبا، في مشهد غير مسبوق من حيث حجمه واتساع رقعته.

وروى عدد من المشاركين في المحاولة تفاصيل ما عاشوه، مؤكدين أن كثيرين منهم لم يخططوا مسبقاً للعبور، بل دفعتهم مشاهد تدفق الحشود إلى اتخاذ القرار في لحظات. وقال أحد الشباب إن الجميع كان يعبر دون تنظيم مسبق، مضيفاً أن وجود أعداد كبيرة من الأشخاص شجعه على خوض التجربة.

وفي شهادة أخرى، أوضح شاب قدم من مدينة سطات أنه تكبد مصاريف قاربت ألفي درهم للوصول إلى الفنيدق، أملاً في الوصول إلى أوروبا، معتبراً أن الظروف المعيشية الصعبة وغياب فرص الشغل دفعته إلى خوض هذه المغامرة، وموجهاً نداءً إلى جلالة الملك محمد السادس لإيجاد حلول لأوضاع الشباب.

كما كشف شاب آخر، قدم من مدينة فاس، أنه صُدم بالمشاهد التي عاينها عند وصوله إلى المنطقة الحدودية، مشيراً إلى وجود مركبات محترقة ومواجهات متفرقة، قبل أن يتمكن من دخول إحدى النقاط الحدودية. وأضاف أن دخله الشهري، الذي لا يتجاوز ثلاثة آلاف درهم، لم يعد كافياً لتغطية تكاليف الكراء ومتطلبات الحياة اليومية.

وفي ما يتعلق بحصيلة الوافدين، أعلنت حكومة سبتة المحلية، في حصيلة أولية، وصول نحو 1500 شخص يوم 29 يوليوز، قبل أن ترتفع التقديرات بشكل كبير، حيث تحدثت السلطات المحلية عن نحو 60 ألف شخص، وهو رقم يعادل قرابة 70 في المائة من سكان المدينة، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ إنسانية واجتماعية.

في المقابل، قدمت وزارة الداخلية المغربية معطيات مغايرة، مؤكدة أن عدد محاولات العبور نحو سبتة بلغ حوالي 40 ألف شخص، إضافة إلى 1135 محاولة باتجاه مليلية، مع تسجيل 11 حالة وفاة، في حين أعلنت السلطات الإسبانية أرقاماً مختلفة.

وبعيداً عن الإحصائيات، نقل ناجون روايات مؤلمة عن مشاهد الموت التي رافقت محاولات العبور، مؤكدين أنهم شاهدوا جثثاً طافية في البحر، فيما تحدث آخرون عن تأخر عمليات انتشال الضحايا، وهو ما خلف صدمة كبيرة في صفوف المهاجرين.

كما روت أم كانت تبحث عن ابنها وسط الحشود تفاصيل معاناتها، مؤكدة أنها فقدت الاتصال به بعد مغادرته المنزل، في مشهد جسد حجم القلق الذي عاشته عشرات الأسر خلال هذه الأحداث.

ولم ينجح عدد كبير من المهاجرين في تحقيق حلم الوصول إلى أوروبا، بعدما تمت إعادتهم إلى المغرب في إطار التعاون القائم بين الرباط ومدريد. ووصف عدد من العائدين الظروف التي عاشوها داخل سبتة، مؤكدين أنهم واجهوا نقصاً في الغذاء والماء، إلى جانب حالة من الخوف والفوضى، فيما تحدث مهاجر سوداني مقيم بالمغرب عن تعرضه للعنف أثناء محاولة العبور.

واعتبرت وزارة الداخلية أن ما جرى لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها استغلال منصات التواصل الاجتماعي لنشر معلومات مضللة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، إلى جانب تفسيرات خاطئة لمعطيات قانونية أوهمت الراغبين في الهجرة بإمكانية دخول أوروبا دون تبعات.

من جهته، أوضح المحامي عبد العزيز خليل أن اتفاقيات التعاون بين المغرب وإسبانيا تتيح إعادة المهاجرين الذين دخلوا التراب الإسباني بطريقة غير نظامية، وفق مساطر قانونية تراعي الضمانات المنصوص عليها في القانون الدولي، خاصة بالنسبة للقاصرين.

وفي قراءة سوسيولوجية، اعتبر الباحث في الهجرات الدولية، المصطفى المريزق، أن ما شهدته سبتة يتجاوز مفهوم الهجرة الجماعية، ويمثل حالة “انفلات جماعي مجالي” غير مسبوقة، تعكس حجم الاحتقان الاجتماعي، وتشكل جرس إنذار يستدعي معالجة عميقة لأسباب الظاهرة.

بدوره، أكد رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان، عادل تشيكيطو، أن جذور الأزمة ترتبط أساساً بالإشكالات الاجتماعية، وعلى رأسها البطالة والتعليم والصحة، داعياً إلى اعتماد سياسات تنموية تعالج الأسباب البنيوية للهجرة، بدل الاكتفاء بالمقاربة الأمنية.

وعلى المستوى السياسي، يرى الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية، عبد الحميد البجوقي، أن هذه الأحداث لن تؤثر في الشراكة الإستراتيجية بين الرباط ومدريد، سواء في ملفات التعاون الأمني أو الاقتصادي أو قضية الصحراء المغربية، وإن كانت قد تنعكس مؤقتاً على وتيرة بعض المشاريع المشتركة.

ورغم عودة الهدوء إلى الحدود، فإن موجة العبور الجماعي خلفت تساؤلات عميقة حول مستقبل الشباب المغربي، ومدى قدرة السياسات العمومية على معالجة الأسباب التي تدفع الآلاف إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن فرصة أفضل خارج الوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.