اليوم العالمي للمعلم.. دعوة لإعادة الاعتبار للعلم والمعرفة في مواجهة التفاهة

مجلة اصوات

يشكل اليوم العالمي للمعلم، الذي يصادف الخامس من أكتوبر من كل سنة، مناسبة لتجديد الاعتراف بالدور المحوري الذي يضطلع به المدرسون في بناء المجتمعات وتكوين الأجيال، واستحضار التحديات التي تواجه هذه الفئة داخل المنظومات التعليمية.

وتكتسي هذه المناسبة أهمية خاصة باعتبار أن المعلم لا يؤدي وظيفة تعليمية تقتصر على نقل المعارف، بل يساهم أيضاً في بناء شخصية المتعلم وترسيخ قيم الحوار والاحترام والمواطنة، فضلاً عن تنمية روح التفكير النقدي ونبذ العنف والتطرف.

ومنذ اعتماد اليوم العالمي للمعلم سنة 1994، بتوصية من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» ومنظمة العمل الدولية، أصبح الخامس من أكتوبر محطة سنوية لتسليط الضوء على مكانة المدرسين وظروف اشتغالهم، والدور الذي يمكن أن يضطلعوا به في تطوير التعليم وتحقيق أهداف التنمية.

وتبرز التجارب التاريخية لمختلف الحضارات أن مكانة المعلم ارتبطت دائماً بمكانة العلم داخل المجتمع، إذ شكل المدرسون عبر العصور أحد أهم روافد نقل المعرفة وتطوير المهارات وإعداد الأجيال القادرة على مواصلة مسيرة البناء والتقدم.

ولا يرتبط الاعتراف بمكانة المعلم فقط بتحسين وضعه المادي أو توفير الظروف المهنية الملائمة، وإنما يتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة مجتمعية تعيد للعلم والمعرفة قيمتهما، وتمنح المدرسة والمدرس الثقة التي يحتاجان إليها لأداء رسالتهما.

وفي هذا السياق، تظل تحسين ظروف العمل، وتوفير البنيات والتجهيزات المناسبة، وتطوير المناهج والبرامج التعليمية، إلى جانب تمكين المدرسين من التكوين المستمر، عناصر أساسية لتعزيز جودة التعليم والارتقاء بأداء المنظومة التربوية.

كما أن إشراك الفاعلين التربويين وهيئاتهم التمثيلية في النقاش المتعلق بإصلاح التعليم يظل من العوامل المهمة لإنجاح السياسات العمومية، بالنظر إلى الخبرة الميدانية التي راكمها المدرسون واحتكاكهم اليومي بمختلف تحديات المدرسة.

وتكتسب هذه المطالب أهمية أكبر في ظل التحولات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتت المعرفة العلمية تواجه انتشار مضامين سطحية وخطابات شعبوية، الأمر الذي يجعل المدرسة والمعلم أمام مسؤولية متزايدة في تنمية القدرة على التمييز بين المعرفة الموثوقة والمعلومات المضللة.

وتقدم عدد من التجارب الدولية، من بينها اليابان والنرويج، نماذج تقوم على الاستثمار في المدرس باعتباره أحد أهم عناصر تطوير المنظومة التعليمية، من خلال التكوين المستمر والارتقاء بالكفاءة المهنية وتوفير ظروف مناسبة لممارسة المهنة.

إن إعادة الاعتبار للمعلم ليست مجرد احتفاء رمزي بيوم عالمي، بل هي استثمار طويل الأمد في الإنسان وفي مستقبل المجتمع. فكلما ارتفعت مكانة المدرس والعلم والمعرفة، تعززت قدرة الأجيال الجديدة على مواجهة التحولات والتحديات وبناء مستقبل أكثر تقدماً واستقراراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.