سترايكر بصواريخ “ستينغر” في قلب الأسد الإفريقي: حين يفرض الدرون قواعد اشتباك جديدة

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

لم تعد السماء المنخفضة فضاءً آمناً كما كان في العقود الماضية، ولم تعد التهديدات الجوية حكراً على الطائرات المقاتلة أو المروحيات. في زمن الدرونات، تغيّرت قواعد الاشتباك، وأصبحت الجيوش مطالبة بإعادة صياغة عقائدها الدفاعية بما يستجيب لواقع جديد عنوانه: السرعة، المرونة، وانخفاض الكلفة. في هذا السياق، يبرز حضور منظومة M-SHORAD ضمن مناورات African Lion كدلالة واضحة على هذا التحول العميق في التفكير العسكري.
المنظومة، التي تعتمد على عربة Stryker، ليست مجرد إضافة تقنية إلى ترسانة الدفاع الجوي، بل تمثل فلسفة عملياتية جديدة تقوم على مرافقة القوات البرية وتوفير حماية فورية لها ضد التهديدات الجوية القريبة. فهي مجهزة بصواريخ FIM-92 Stinger قصيرة المدى، إلى جانب أنظمة رصد واستشعار متطورة، ما يمنحها قدرة فعالة على تعقب وتحييد أهداف صغيرة وسريعة، على غرار الطائرات بدون طيار.
ما يلفت الانتباه في هذه المشاركة ليس فقط الجانب التقني، بل البعد العملياتي الذي تعكسه. فمناورات “الأسد الإفريقي” لم تعد مجرد تمرين عسكري تقليدي، بل أضحت مختبراً ميدانياً لاختبار جاهزية الجيوش في مواجهة سيناريوهات واقعية، حيث تختلط التهديدات التقليدية بغير التقليدية، وتفرض التكنولوجيا إيقاعها على مجريات المعركة.
لقد أفرزت النزاعات الحديثة، من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، واقعاً جديداً أثبت أن الدرونات لم تعد مجرد أدوات استطلاع، بل تحولت إلى وسائل هجومية دقيقة وفعالة، قادرة على إرباك منظومات دفاعية متقدمة. هذا التحول فرض على الجيوش البحث عن حلول مرنة، قادرة على التكيف مع تهديدات غير متوقعة، وهنا تبرز أهمية M-SHORAD كحل تكتيكي يجمع بين الحركية والقوة النارية والدقة.
من زاوية أوسع، يعكس إدماج هذه المنظومة في تمرين متعدد الجنسيات توجهاً نحو تعزيز قابلية التنسيق بين القوات المختلفة، خاصة في ما يتعلق بتبادل المعلومات والتكامل بين الأنظمة. فالحرب الحديثة لم تعد تُخاض بشكل منفرد، بل ضمن منظومات متكاملة تتطلب انسجاماً عالياً بين مختلف الوحدات.
كما أن هذا الحضور يبعث برسالة واضحة مفادها أن التحديات الأمنية لم تعد محلية أو إقليمية فقط، بل أصبحت عابرة للحدود، ما يستدعي تعاوناً دولياً قائماً على تبادل الخبرات وتوحيد الرؤى. وفي هذا الإطار، تكتسي مناورات “الأسد الإفريقي” أهمية خاصة، باعتبارها منصة لتعزيز هذا التعاون، واختبار القدرات في بيئة تحاكي واقع التهديدات المعاصرة.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى مشاركة M-SHORAD بمعزل عن السياق الأوسع لتحولات الحرب الحديثة. إنها ليست مجرد منظومة دفاع جوي، بل تعبير عن مرحلة جديدة في التفكير العسكري، حيث لم يعد التفوق يقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بمدى القدرة على التكيف مع تهديدات متغيرة، وغير متكافئة، وسريعة التطور.
هكذا، وبين هدير العربات المدرعة وصمت الدرونات في السماء، تُكتب فصول جديدة من معادلة القوة، معادلة عنوانها الأبرز: من يسيطر على السماء القريبة، يملك زمام المبادرة على الأرض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.