تثير وضعية 14 وزيراً وكاتب دولة من الحكومة المنتهية ولايتها، الذين فازوا بمقاعد في مجلس النواب خلال انتخابات 23 شتنبر 2026، نقاشاً قانونياً ومؤسساتياً بشأن مدى احترام قواعد التنافي بين العضوية الحكومية والبرلمانية، وحدود استمرار الحكومة الحالية في تصريف الأعمال خلال مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة.
وبعد مرور أسابيع على الاستحقاقات الانتخابية، لا يزال المسؤولون المعنيون يحتفظون بمناصبهم الحكومية، في وقت غابوا فيه عن جلسات انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء مكتبه ورؤساء لجانه الدائمة، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن كيفية تدبير المرحلة الانتقالية والتوفيق بين استمرارية المرافق العمومية واحترام القواعد المنظمة للعضوية الحكومية والبرلمانية.
ويستند النقاش إلى المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، التي تنظم حالات التنافي بين الصفتين، إلى جانب المادتين 36 و37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، واللتين تؤطران استمرار الحكومة المنتهية مهامها في تصريف الأمور الجارية.
14 مسؤولاً حكومياً في قلب النقاش القانوني
تشمل قائمة الوزراء المعنيين كلاً من فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، وعبد اللطيف وهبي، وعز الدين الميداوي، وأديب بن إبراهيم، وهشام صابري، ومصطفى بايتاس، وأحمد البواري، ولحسن السعدي، وزكية الدريوش، ونزار بركة، وعبد الصمد قيوح، ورياض مزور، وعمر حجيرة.
وتطرح هذه الوضعية إشكالاً يتعلق بكيفية تطبيق قواعد التنافي على أعضاء حكومة انتهت ولايتها السياسية، لكنهم يواصلون تصريف الأعمال إلى حين استكمال تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري ياسين بويركل، في تصريح لصحيفة «صوت المغرب»، أن الوضعية الحالية تضع مبدأ استمرارية العمل الحكومي أمام ضرورة احترام القواعد القانونية المنظمة للجمع بين العضوية الحكومية والبرلمانية.
وأشار إلى أن المادة 14 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب تنص على حالة التنافي، بينما تتيح المادتان 36 و37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 استمرار الحكومة المنتهية ولايتها في تدبير الأمور الجارية، ضماناً لاستمرارية المرافق العمومية.
غير أن مبدأ الاستمرارية، وفق قراءة الباحث، لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بجميع أعضاء الحكومة السابقة، إذ يمكن اللجوء إلى الآليات الدستورية المتاحة لتسوية وضعية الوزراء المنتخبين، مع ضمان استمرار تدبير القطاعات الحكومية.
وشدد بويركل على ضرورة التمييز بين وجود حالة التنافي والإجراءات القانونية اللازمة لتسويتها، لافتاً إلى أن المادة 18 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب تتيح، وفق الشروط والإجراءات المحددة، اللجوء إلى المحكمة الدستورية للبت في حالات التنافي.
أما غياب الوزراء المعنيين عن جلسات انتخاب رئيس مجلس النواب وأجهزته، فيمكن اعتباره إجراءً احترازياً لتفادي ممارسة الاختصاصات البرلمانية خلال استمرارهم في مهامهم الحكومية، لكنه لا يشكل، بحسب الباحث، تسوية قانونية نهائية لوضعيتهم.
سابقة 2016 تعيد النقاش إلى الواجهة
تقدم تجربة سنة 2016 نموذجاً سابقاً لتدبير وضعية أعضاء الحكومة الذين فازوا بمقاعد برلمانية، حين صدر ظهير شريف بإعفاء 12 عضواً من الحكومة من مهامهم، بناءً على استقالاتهم، وفق المسطرة الدستورية المعتمدة آنذاك.
وقد أتاح ذلك إنهاء مهام الوزراء المعنيين وإعادة توزيع القطاعات التي كانوا يشرفون عليها، بما ساهم في ضمان استمرارية العمل الحكومي.
ويرى بويركل أن هذه السابقة توضح إمكانية التوفيق بين احترام قواعد التنافي وضمان السير العادي للمرافق العمومية، معتبراً أن الاختلاف بين تجربتي 2016 و2026 يرتبط أساساً بالمقاربة المعتمدة لتدبير المرحلة الانتقالية، وليس بالضرورة بوجود تغيير في القاعدة القانونية الأساسية.
وأضاف أن استمرار الوضعية الحالية يثير تساؤلات بشأن مبررات عدم اعتماد تسوية مبكرة مماثلة، خصوصاً أن مرحلة تصريف الأعمال يفترض أن تظل محدودة من حيث المدة وطبيعة الاختصاصات.
تصريف الأعمال وحدود الرقابة البرلمانية
لا يتوقف النقاش عند مسألة التنافي، بل يمتد إلى حدود صلاحيات الحكومة المنتهية ولايتها، ومدى استمرار الرقابة البرلمانية عليها، في ظل اقتراب استحقاقات دستورية ومالية مهمة، من بينها تقديم البرنامج الحكومي ومناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027.
وفي هذا الصدد، أشار الباحث إلى أن الفصل 60 من الدستور يؤطر وضعية أعضاء مجلس النواب باعتبارهم ممثلين للأمة، فيما ينظم الفصل 62 انتخاب رئيس المجلس وأجهزته.
ويطرح غياب الوزراء المنتخبين عن الأنشطة البرلمانية تساؤلات بشأن ممارسة الحقوق والالتزامات المرتبطة بالانتداب البرلماني، دون أن يعني ذلك أن عدم المشاركة وحده كافٍ لإنهاء حالة التنافي.
وعلى مستوى المسؤولية السياسية، يوضح بويركل أن استمرار الحكومة في تصريف الأمور الجارية لا يعفيها من التقيد بالقواعد الدستورية والقانونية، وإن كانت طبيعة صلاحياتها تختلف عن صلاحيات حكومة حاصلة على ثقة مجلس النواب.
كما يكتسي مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى المقتضيات المنظمة لتصريف الأمور الجارية، وما تطرحه من أسئلة بشأن حدود تدبير الملفات المالية والتشريعية خلال المرحلة الانتقالية، مع مراعاة الاستثناءات المرتبطة بحالات الضرورة وفق الاجتهاد الدستوري ذي الصلة.
وحذر الباحث من أن استمرار تأخر تشكيل الحكومة الجديدة قد يوسع نطاق الإشكال من مجرد تسوية وضعية الوزراء المنتخبين إلى تساؤلات أعمق بشأن انتظام عمل المؤسسات واحترام الآجال الدستورية والقانونية.
من يتحمل مسؤولية تسوية الوضعية؟
تطرح المرحلة الحالية سؤال الجهة المخولة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتسوية وضعية الوزراء الذين جمعوا بين الفوز بمقاعد برلمانية والاستمرار في تصريف المهام الحكومية، فضلاً عن حدود تدخل المؤسسات الدستورية المعنية.
وبحسب بويركل، يقتضي الأمر التمييز بين المسؤولية السياسية عن تدبير المرحلة الانتقالية والاختصاصات الدستورية المتعلقة بإنهاء المهام الحكومية، إلى جانب دور المحكمة الدستورية في البت في حالات التنافي وفق المساطر المحددة.
وأوضح أن الفصل 47 من الدستور يؤطر تعيين أعضاء الحكومة وإعفاءهم، بينما لا يمنح مجرد تعيين رئيسة الحكومة المكلفة صلاحية إنهاء مهام أعضاء الحكومة السابقة بقرار منفرد.
وفي المقابل، يظل تدبير استمرارية العمل الحكومي مرتبطاً بالآليات الدستورية المتاحة، بما يسمح بتفادي تعطيل المرافق العمومية مع معالجة الوضعيات القانونية المطروحة.
وحدد الباحث مسارين محتملين للتعامل مع الوضعية؛ أولهما تسوية مبكرة على غرار تجربة سنة 2016، من خلال إنهاء مهام الوزراء المعنيين وإعادة توزيع اختصاصاتهم مؤقتاً، وثانيهما انتظار استكمال تشكيل الحكومة الجديدة، بما يسمح بحسم الوضعية وفق المقتضيات القانونية ذات الصلة.
كما يظل اللجوء إلى المحكمة الدستورية خياراً وارداً، وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، من أجل البت في حالات التنافي وترتيب آثارها القانونية.
وفي المحصلة، تتجاوز هذه القضية وضعية 14 مسؤولاً حكومياً لتطرح سؤالاً مؤسساتياً أوسع بشأن كيفية تدبير الانتقال بين حكومتين، وضمان التوازن بين استمرارية المرافق العمومية واحترام قواعد التنافي والانتداب البرلماني، حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى مصدر للغموض القانوني والمؤسساتي.