يشهد المشهد المؤسساتي والاقتصادي بالمغرب تحولا بارزا في طريقة اشتغال مجلس المنافسة، بعدما انتقل من التركيز التقليدي على مراقبة الأسعار ومحاربة الممارسات الاحتكارية إلى تبني مقاربة أكثر شمولية تقوم على إزالة العوائق التي تحد من ولوج الفاعلين إلى الأسواق. ويعكس هذا التحول توجها جديدا يهدف إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني عبر ضمان تكافؤ الفرص والشفافية داخل مختلف القطاعات الاقتصادية.
وقد بدأت معالم هذا التوجه تظهر من خلال انخراط المجلس في ملفات وقطاعات كانت سابقا بعيدة نسبيا عن الرقابة التنافسية، إذ لم يعد الاهتمام منصبا فقط على نتائج السوق، بل أصبح يشمل أيضا الشروط والبنيات التي تتحكم في الولوج إليها.
وفي هذا السياق، أوضح محمد عادل إيشو، أستاذ الاقتصاد والتدبير بجامعة السلطان مولاي سليمان، أن التحركات الأخيرة لمجلس المنافسة تعكس تغييرا عميقا في فلسفة تدخله، حيث لم يعد يقتصر دوره على تتبع الأسعار أو رصد الاتفاقات المنافية للمنافسة، بل أصبح يهتم بدراسة العراقيل التي قد تمنع دخول فاعلين جدد إلى الأسواق والمهن المختلفة.
وأشار المتحدث إلى أن المجلس، في تعامله مع ملف قطاع التجميل، لم يركز فقط على مسألة الأسعار كما وردت في الشكاية الأصلية، بل وسع نطاق التحقيق ليشمل طريقة تنظيم السوق، ومدى شفافية قنوات التوزيع، وإمكانية وجود ممارسات إقصائية أو تحكم في الأسعار عبر التوزيع الانتقائي.
ويرى أن هذا التوجه يهدف أساسا إلى ضمان عدالة المنافسة وتكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين الاقتصاديين.
أما بخصوص مهنة المحاماة، فقد اعتبر إيشو أن النقاش تجاوز الجوانب التقليدية المتعلقة بشروط السن، ليصل إلى طرح تساؤلات حول مدى ارتباط شروط الولوج فعلا بالكفاءة المهنية وجودة الخدمات، أو ما إذا كانت تستعمل أحيانا كوسيلة للحد من عدد الوافدين الجدد إلى المهنة.
وهذا، بحسبه، يعكس انتقال المجلس من مراقبة نتائج السوق إلى التدقيق في شروط الدخول إليه.
وأكد الأستاذ الجامعي أن هذا التوجه ينسجم مع تجارب دولية معتمدة في عدد من الدول الأوروبية وكندا، حيث تخضع المهن المنظمة لمعايير الشفافية والتناسب وعدم التمييز.
لكنه شدد في المقابل على ضرورة مراعاة خصوصية بعض القطاعات المرتبطة بالعدالة أو الصحة أو الأمن القانوني، حتى لا تتحول الرقابة الاقتصادية إلى تدخل يمس الجوانب الدستورية والاجتماعية لهذه المهن
من جهته، اعتبر الباحث الاقتصادي محمد جدري أن الأدوار الجديدة لمجلس المنافسة تشكل خطوة مهمة نحو تعزيز المنافسة الحقيقية داخل الاقتصاد المغربي، موضحا أن المجلس استطاع تجاوز عدد من “المواضيع الحساسة” التي كانت تهيمن على النقاش الاقتصادي، مثل المحروقات والأدوية والخدمات البنكية، ليفتح المجال أمام معالجة قضايا جديدة ترتبط ببنية الاقتصاد وآليات اشتغاله.
وأشار جدري إلى أن لجوء فاعلين اقتصاديين ومهنيين إلى طلب رأي مجلس المنافسة، كما حدث في ملف الرسوم المفروضة لولوج مهنة المحاماة، يعكس تنامي الثقة في المؤسسة ودورها التنظيمي.
كما اعتبر أن هذا المسار يساهم في ترسيخ جيل جديد من حقوق المستهلك، يقوم على حماية المنافسة وتحقيق المصلحة العامة.
وفي المجمل، يرى المتابعون أن المغرب دخل مرحلة جديدة في مجال الحكامة التنافسية، تقوم على تعزيز المنافسة الشريفة، وفتح الأسواق أمام الفاعلين الجدد، وضمان استفادة المستهلك المغربي من خدمات أكثر جودة وأسعار أكثر تنافسية.