الرباط مجلة أصوات أعاد الملك محمد السادس ملف الهجرة والتعاون المغربي الإسباني إلى واجهة النقاش الدبلوماسي، بعدما أكد أن النموذج الحالي للتعاون بين البلدين في مجال تدبير الهجرة غير النظامية بلغ حدوده، رغم الجهود التي يبذلها المغرب لمواجهة هذه الظاهرة. ويأتي هذا الموقف في سياق توترات أعقبت أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة خلال شهر يوليوز الماضي، وما رافقها من تداعيات إنسانية وأمنية وسياسية على الجانبين. ونقلت وكالة «رويترز»، في تقرير نشرته يوم 9 أكتوبر 2026، أن الملك محمد السادس شدد على أن الشراكة مع إسبانيا تظل خياراً استراتيجياً للمغرب، لكنها لا يمكن أن تقوم على الضغوط أو التهديدات أو محاولات فرض الأمر الواقع. كما أشار التقرير إلى أن الرباط تتجه نحو طرح تصور جديد للتعاون مع شركائها الأوروبيين، يقوم على تقاسم المسؤولية، وتعزيز التنمية المشتركة، وتحقيق الاستقرار الإقليمي. ويعكس هذا الموقف رغبة المغرب في إعادة فتح النقاش بشأن الأسس التي يقوم عليها التعاون في مجال الهجرة، خصوصاً في ظل التحولات التي تعرفها المنطقة، وتزايد التحديات المرتبطة بالحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتنامي المطالب السياسية داخل إسبانيا بتشديد الإجراءات الأمنية على حدود سبتة ومليلية. سبتة تعيد ملف الهجرة إلى واجهة العلاقات الثنائية شهدت مدينة سبتة خلال يوليوز الماضي أزمة هجرة استثنائية، بعدما عبرت أعداد كبيرة من الأشخاص الحدود نحو المدينة، ما وضع السلطات المحلية أمام ضغوط كبيرة مرتبطة بالاستقبال والإيواء والتدبير الأمني والإنساني. وأعادت هذه الأحداث النقاش حول فعالية آليات التعاون القائمة بين الرباط ومدريد، ومدى قدرة الإجراءات الأمنية وحدها على مواجهة ظاهرة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، إلى جانب نشاط شبكات تهريب المهاجرين. وبحسب تقرير «رويترز»، فقد أشار الملك محمد السادس إلى أن الجهود المغربية في مكافحة الهجرة غير النظامية حققت نتائج ملموسة، غير أن استمرار الأزمات الحدودية يفرض مراجعة أساليب التعاون المعتمدة، بما يضمن توزيعاً أكثر توازناً للمسؤوليات بين الدول المعنية. ولا يقتصر ملف الهجرة على مراقبة الحدود أو منع العبور غير النظامي، بل يشمل كذلك حماية الأرواح، ومكافحة الاتجار بالبشر، وتوفير آليات قانونية لمعالجة طلبات اللجوء، والتعامل مع القاصرين والأشخاص الموجودين في أوضاع هشة وفق الضمانات القانونية المعمول بها. ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة جديدة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد المتعددة لهذه الظاهرة، بدل الاقتصار على الحلول الأمنية التي قد تخفف الضغط مؤقتاً، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب العميقة للهجرة. الرباط ترفض الضغوط والتهديدات أكد الملك محمد السادس، وفق ما نقلته التغطيات الصحفية، أن التعاون مع إسبانيا يشكل خياراً استراتيجياً للمغرب، لكنه لا يعني القبول بالضغوط أو التهديدات. ويبرز هذا الموقف حرص الرباط على الفصل بين أهمية الشراكة الثنائية وبين ضرورة احترام السيادة الوطنية ومبادئ التعامل المتكافئ بين الدول. وتستند العلاقات المغربية الإسبانية إلى مصالح مشتركة تتجاوز ملف الهجرة، وتشمل التجارة والاستثمار والنقل والطاقة والأمن والتعاون القضائي. كما تمثل إسبانيا أحد الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين للمغرب، فيما يحتل المغرب موقعاً مهماً في السياسة الأوروبية تجاه إفريقيا ومنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط. غير أن استمرار الخلافات بشأن تدبير الحدود أو بعض الجوانب القانونية المرتبطة بإعادة المهاجرين يمكن أن يضع هذه الشراكة أمام اختبارات متكررة، خصوصاً عندما تتحول القضايا الإنسانية إلى موضوع للمنافسة السياسية الداخلية. ويطرح هذا الوضع تحدياً أمام الحكومتين يتمثل في الحفاظ على قنوات الحوار، وتفادي التصعيد الإعلامي والسياسي، والبحث عن حلول عملية تستجيب للمصالح المشتركة، دون المساس بالالتزامات القانونية والحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين. إشكالية إعادة المهاجرين والضمانات القانونية من بين الملفات التي تزيد تعقيد التعاون في مجال الهجرة مسألة إعادة الأشخاص الذين دخلوا الأراضي الإسبانية بصورة غير نظامية، ولا سيما القاصرين المغاربة الذين يخضعون لضمانات قانونية خاصة. وتشير التغطيات الإعلامية إلى أن الملك محمد السادس انتقد بعض الأحكام والإجراءات القضائية الإسبانية التي يرى أنها تعرقل عمليات إعادة المهاجرين، وتحد من قدرة السلطات على معالجة بعض الملفات. غير أن هذه المسألة تظل مرتبطة بالقوانين الإسبانية والأوروبية والاتفاقيات الدولية، ولا يمكن اختزالها في قرار إداري أو أمني منفرد. فإعادة المهاجرين تخضع لشروط وإجراءات تختلف بحسب الوضع القانوني لكل شخص، وجنسيته، وسنه، وظروف دخوله، وما إذا كان قد تقدم بطلب حماية دولية. كما أن التعامل مع القاصرين غير المصحوبين يستلزم مراعاة مصلحتهم الفضلى، والتحقق من ظروف استقبالهم ورعايتهم قبل اتخاذ أي قرار بشأن إعادتهم. ومن ثم، فإن تطوير التعاون المغربي الإسباني في هذا المجال يتطلب تنسيقاً قانونياً ومؤسساتياً يضمن احترام القوانين المعمول بها، ويتيح معالجة الملفات بصورة واضحة وفعالة، مع تجنب تحويل الخلافات الإجرائية إلى مصدر دائم للتوتر بين البلدين. مدريد أمام تحديات سياسية وأمنية متزايدة تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه ملف الهجرة حضوراً متزايداً في النقاش السياسي الإسباني، خصوصاً عقب الأحداث التي عرفتها سبتة، وما رافقها من مطالب بتعزيز مراقبة الحدود ومساءلة الحكومة بشأن تدبير الأزمة. وقد ساهمت هذه الأحداث في إعادة طرح أسئلة بشأن فعالية التنسيق مع المغرب، وحدود المسؤولية المشتركة في مراقبة الحدود، ومدى استعداد المؤسسات الإسبانية والأوروبية للتعامل مع تدفقات كبيرة للمهاجرين في فترات زمنية قصيرة. وفي المقابل، يظل المغرب معنياً بتدبير ملف الهجرة من زاوية أمنية وإنسانية وتنموية، بالنظر إلى موقعه الجغرافي ودوره في حركة التنقل بين إفريقيا وأوروبا. كما أن استمرار الضغوط المرتبطة بالهجرة يفرض تعزيز الإمكانات اللوجستية والبشرية، وتطوير آليات التعاون مع الشركاء الدوليين. ويقتضي التعامل مع هذه التحديات التمييز بين المسؤوليات القانونية لكل دولة، وبين الحاجة إلى التنسيق العملي لمواجهة شبكات التهريب وحماية الحدود. كما أن تحميل طرف واحد مسؤولية جميع مظاهر الهجرة غير النظامية لا يعكس بالضرورة الطبيعة المعقدة لهذه الظاهرة، التي تتداخل فيها عوامل متعددة تشمل الأوضاع الاقتصادية والنزاعات والتحولات المناخية وشبكات الاتجار بالبشر. نحو نموذج جديد للتعاون المغربي الأوروبي يشير الموقف المغربي إلى الحاجة إلى مراجعة النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة، من خلال الانتقال من مقاربة تركز أساساً على مراقبة الحدود إلى شراكة أوسع تشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتقاسم المسؤوليات. ويمكن أن يشمل هذا التوجه دعم المناطق التي تشهد معدلات مرتفعة من الهجرة، وتوسيع فرص التكوين والعمل، وتطوير مسارات قانونية للتنقل، وتعزيز التعاون الأمني والقضائي في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر. كما يطرح هذا التصور أهمية دعم برامج الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب، وتوسيع فرص العمل النظامي، وتحسين آليات حماية المهاجرين، بما يساهم في الحد من المخاطر التي تدفع بعض الأشخاص إلى سلوك طرق غير نظامية وخطيرة. وعلى المستوى الأوروبي، يظل نجاح أي نموذج جديد مرتبطاً بمدى استعداد الشركاء لتقاسم الأعباء المالية والإنسانية، وتوفير الدعم اللازم للدول الواقعة على طرق الهجرة، فضلاً عن اعتماد سياسات متوازنة تجمع بين الأمن واحترام الحقوق الأساسية. ولا يعني هذا التوجه التخلي عن مراقبة الحدود أو عن مكافحة الهجرة غير النظامية، بل يستهدف جعل الإجراءات الأمنية جزءاً من سياسة أشمل وأكثر استدامة، تقوم على التعاون المؤسسي والوقاية والتنمية واحترام القانون. شراكة استراتيجية تتجاوز الخلافات الظرفية رغم التوترات المرتبطة بملف الهجرة، تظل العلاقات المغربية الإسبانية ذات أهمية استراتيجية للطرفين. فالتبادل التجاري والاستثمارات والتعاون الأمني والروابط الإنسانية تجعل من استقرار العلاقات الثنائية مصلحة مشتركة، تتطلب إدارة الخلافات عبر الحوار والتنسيق المؤسساتي. كما أن الموقع الجغرافي للبلدين يمنحهما دوراً محورياً في تدبير التحديات التي تعرفها منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، سواء تعلق الأمر بالهجرة أو مكافحة الجريمة المنظمة أو تطوير المبادلات الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة المغربية إلى صياغة نموذج جديد للتعاون تفتح النقاش بشأن طبيعة الشراكة المستقبلية مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، ومدى قدرتها على تجاوز المقاربات الظرفية نحو سياسات أكثر استقراراً وتوازناً. ويبقى نجاح هذا المسار رهيناً بترجمة التصريحات السياسية إلى آليات عملية، تشمل تحديد المسؤوليات، وتطوير قنوات التواصل، وتوفير الموارد اللازمة، واعتماد تقييم دوري للنتائج، بما يسمح بتصحيح الاختلالات وتفادي تكرار الأزمات. خلاصة تكشف تصريحات الملك محمد السادس بشأن بلوغ النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة حدوده عن مرحلة جديدة من النقاش المغربي الإسباني حول إدارة الحدود وتقاسم المسؤوليات. وبين الضغوط السياسية التي يفرضها الملف داخل إسبانيا، والاعتبارات الأمنية والإنسانية التي تواجه المغرب، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولاً تقوم على الحوار واحترام السيادة والقانون الدولي. وتظل الشراكة بين الرباط ومدريد خياراً استراتيجياً للطرفين، غير أن استدامتها تتطلب معالجة الخلافات بواقعية، وتطوير آليات التعاون بما يستجيب للتحولات الجديدة، ويضمن عدم اختزال العلاقات الثنائية في ملف الهجرة وحده. وفي نهاية المطاف، فإن الرهان لا يتمثل فقط في منع تدفقات الهجرة غير النظامية، بل في بناء تعاون قادر على حماية الحدود والأرواح، ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر، وتوفير شروط تنمية أكثر استدامة في المنطقة، مع احترام الحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين. المصدر: وكالة «رويترز»، تقرير منشور بتاريخ 9 أكتوبر 2026، بشأن موقف الملك محمد السادس من نموذج التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة.