المغرب يفقد 173 ألف منصب شغل.. البطالة تعود لتطرح أسئلة محرجة حول مستقبل الشباب
بقلم الأستاذ محمد عيدني – جريدة أصوات
عاد ملف التشغيل بالمغرب إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاجتماعي، عقب صدور معطيات جديدة عن المندوبية السامية للتخطيط، كشفت عن تراجع صافي عدد المشتغلين مقابل دخل بـ173 ألف شخص خلال الفصل الثالث من سنة 2026، مقارنة بالفصل الثاني، في وقت ارتفع فيه معدل البطالة إلى 10.5 في المائة، مقابل 9.5 في المائة خلال الفترة السابقة.
وتكشف هذه الأرقام عن واقع اقتصادي واجتماعي يفرض إعادة فتح النقاش حول قدرة السياسات العمومية على توفير فرص الشغل، ومدى نجاح البرامج الحكومية في الاستجابة لانتظارات المواطنين، خصوصاً فئة الشباب التي تجد نفسها أمام تحديات متزايدة في الولوج إلى سوق العمل.
وبحسب المعطيات الرسمية، بلغ عدد الأشخاص المشتغلين مقابل دخل حوالي 10 ملايين و470 ألف شخص، بينما وصل عدد العاطلين إلى نحو مليون و224 ألف شخص، بزيادة قدرها 103 آلاف عاطل مقارنة بالفصل الثاني من السنة الجارية.
وتبرز خطورة هذه المؤشرات بشكل أكبر عند الوقوف على وضعية الشباب، إذ بلغ معدل البطالة في صفوف الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة حوالي 30.5 في المائة، وهي نسبة تعكس حجم الصعوبات التي تواجه جيلاً يحمل شهادات وتطلعات مهنية، لكنه يصطدم في كثير من الأحيان بمحدودية فرص الإدماج الاقتصادي.
ولم تكن النساء بمنأى عن هذه الوضعية، حيث بلغ معدل البطالة في صفوفهن 16.7 في المائة، مقابل 8.7 في المائة لدى الرجال، وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية تكافؤ الفرص والتمكين الاقتصادي للمرأة، خاصة في المناطق التي تعاني ضعف النسيج الاقتصادي والاستثماري.
أما على المستوى القطاعي، فقد سجل قطاع الفلاحة والغابات والصيد أكبر تراجع، بفقدان 145 ألف مشتغل مقابل دخل، متبوعاً بقطاع الخدمات الذي سجل تراجعاً بـ96 ألف شخص، ثم قطاع البناء بثلاثة آلاف شخص. وفي المقابل، تمكن القطاع الصناعي من تسجيل ارتفاع بحوالي 69 ألف مشتغل.
وتكشف هذه المعطيات عن استمرار هشاشة بعض القطاعات الاقتصادية أمام التقلبات الموسمية والظروف المناخية والتحولات التي يعرفها النشاط الاقتصادي، خصوصاً في العالم القروي الذي تحمل النصيب الأكبر من التراجع المسجل.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري حول مدى قدرة الاقتصاد الوطني على الانتقال من منطق خلق فرص الشغل الظرفية إلى بناء منظومة إنتاجية قادرة على توفير وظائف مستقرة ومستدامة، تستجيب لمؤهلات الشباب وتضمن كرامة العامل واستقراره الاجتماعي.
إن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بعدد مناصب الشغل المعلن عنها، بل أصبح يتعلق كذلك بجودة هذه المناصب، ومستوى الأجور، والحماية الاجتماعية، ومدى ملاءمة التكوين الجامعي والمهني مع حاجيات المقاولات والاستثمارات.
ومن جهة أخرى، فإن ارتفاع البطالة يفرض على المؤسسات المعنية مراجعة آليات التنسيق بين التكوين والتعليم والتشغيل، والعمل على تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار المنتج، مع إعطاء أهمية خاصة للمناطق القروية والجهات التي تعاني ضعفاً في فرص التنمية الاقتصادية.
كما أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل المشاريع الاستثمارية الكبرى إلى فرص عمل ملموسة، يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية، بدل الاكتفاء بالأرقام والمؤشرات العامة التي لا تعكس دائماً واقع الأسر المغربية.
إن المغرب اليوم أمام تحد اقتصادي واجتماعي يتطلب حلولاً عملية وشجاعة، لأن استمرار ارتفاع البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، قد يوسع دائرة الإحباط وفقدان الثقة في المستقبل، ويزيد من الضغوط الاجتماعية المرتبطة بغلاء المعيشة وصعوبة تحقيق الاستقرار المهني والأسري.
وفي الختام، فإن فقدان 173 ألف منصب شغل خلال فصل واحد ليس مجرد رقم عابر في تقرير إحصائي، بل مؤشر يستحق قراءة عميقة ومسؤولية جماعية. فالتنمية لا تقاس فقط بحجم المشاريع والاستثمارات، وإنما بقدرتها على توفير فرص الشغل وصون كرامة المواطن. ويبقى السؤال المطروح: متى تتحول الوعود الاقتصادية إلى فرص حقيقية تفتح أبواب المستقبل أمام الشباب المغربي؟