المسيرة الخضراء.. كيف حوّل الحسن الثاني الفكرة إلى حدث تاريخي بارز؟

مجلة اصوات

– الرباط

استحضر المغاربة، في السادس من نونبر من كل سنة، ذكرى المسيرة الخضراء، باعتبارها إحدى أبرز المحطات في تاريخ المغرب الحديث. فقد شكلت سنة 1975 حدثاً سياسياً وشعبياً بارزاً، جسّد تعبئة واسعة حول قضية الصحراء، واعتمد أسلوب المسيرة السلمية المنظمة في مرحلة اتسمت بتعقيدات إقليمية ودولية.

وتعود فصول هذه المحطة إلى فترة ما بعد استقلال المغرب سنة 1956، حين ظل ملف الصحراء خاضعاً للوجود الاستعماري الإسباني، وأصبح من القضايا الرئيسية المطروحة أمام الدولة المغربية في سياق استكمال وحدتها الترابية، وسط تداخل الاعتبارات التاريخية والقانونية والسياسية.

لماذا فكر الحسن الثاني في تنظيم المسيرة الخضراء؟

لم تأت فكرة المسيرة الخضراء من فراغ، بل ارتبطت بقراءة سياسية لظروف المرحلة وطبيعة النزاع مع إسبانيا، وبالبحث عن وسيلة لتعبئة الرأي العام وإيصال موقف المغرب إلى المجتمع الدولي، دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة.

وفي هذا السياق، اتجه الملك الراحل الحسن الثاني إلى تنظيم مسيرة شعبية سلمية يشارك فيها مواطنون من مختلف جهات المملكة، رجالاً ونساءً، وشباباً وشيوخاً، حاملين العلم الوطني والمصحف الشريف.

وكانت الرسالة التي حملتها المبادرة تتمثل في إبراز الطابع الشعبي للقضية، والتعبير عن مطلب المغرب بشأن الصحراء من خلال تحرك جماعي واسع، يضع الملف في صدارة الاهتمام السياسي والدبلوماسي.

محكمة العدل الدولية.. محطة سبقت الإعلان عن المسيرة

شكل يوم 16 أكتوبر 1975 محطة مهمة في تطور الملف، بعدما أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري بشأن الصحراء الغربية، بناءً على طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأقرت المحكمة بوجود روابط قانونية وروابط بيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي كانت تقيم في الإقليم، كما أقرت بوجود روابط قانونية أخرى بين الإقليم والكيان الموريتاني آنذاك. لكنها خلصت إلى أن المعطيات المقدمة إليها لم تثبت وجود سيادة إقليمية للمغرب أو للكيان الموريتاني على الإقليم، من شأنها أن تؤثر في تطبيق مبدأ تقرير المصير. 

وقد تعامل المغرب مع الرأي الاستشاري باعتباره يتضمن عناصر تدعم طرحه التاريخي بشأن الروابط مع الصحراء، في حين ظل الملف ضمن الإطار الأممي مرتبطاً أيضاً بمسألة تصفية الاستعمار ومبدأ تقرير المصير.

وفي اليوم نفسه، أعلن الملك الحسن الثاني عن تنظيم المسيرة الخضراء، في خطوة نقلت الملف إلى مرحلة جديدة من التحرك الشعبي والسياسي.

350 ألف متطوع.. تعبئة وطنية واسعة

في السادس من نونبر 1975، انطلقت المسيرة الخضراء بمشاركة 350 ألف متطوع ومتطوعة من مختلف أنحاء المغرب، في مشهد تاريخي رفع خلاله المشاركون الأعلام الوطنية والمصاحف، واتجهوا نحو الصحراء في تحرك حمل رمزية السلم والوحدة الوطنية.

واكتسب اللون الأخضر دلالة رمزية مرتبطة بالهوية الإسلامية، فيما عكس حمل المصحف الشريف والعلم المغربي طبيعة المبادرة كما قدمتها السلطات المغربية آنذاك.

كما منحت مشاركة مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية المسيرة بعداً وطنياً واسعاً، إذ جسدت حضور مواطنين من مناطق متعددة، في تعبير جماعي عن موقف الدولة والمجتمع المغربي من قضية الصحراء.

لماذا اختار الحسن الثاني المسار السلمي؟

تكمن إحدى أبرز دلالات المسيرة الخضراء في اعتماد الوسيلة السلمية في ظرف إقليمي كان قابلاً للتصعيد. فقد سعت المبادرة إلى ممارسة ضغط شعبي وسياسي على إسبانيا، مع تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة قد تترتب عنها خسائر وتداعيات إقليمية.

وحملت هذه الخطوة أبعاداً متعددة، من بينها إبراز حجم التعبئة الشعبية، وإثارة اهتمام الرأي العام الدولي، وتعزيز موقع الدبلوماسية المغربية في المفاوضات المرتبطة بمستقبل الإقليم.

غير أن المسيرة جرت في سياق دولي معقد، إذ كان مجلس الأمن يتابع التطورات. وفي قراره رقم 380 الصادر في 6 نونبر 1975، أعرب المجلس عن أسفه لتنظيم المسيرة، ودعا المغرب إلى سحب جميع المشاركين منها من إقليم الصحراء الغربية. 

وفي التاسع من نونبر، أعلن الملك الحسن الثاني عودة المتطوعين، لتنتهي المسيرة وتبدأ مرحلة جديدة من التحركات السياسية والمفاوضات.

اتفاق مدريد.. نهاية الإدارة الإسبانية وبداية مرحلة جديدة

دخل المغرب وإسبانيا وموريتانيا، عقب المسيرة، في مفاوضات انتهت بالتوقيع على إعلان المبادئ المعروف باتفاق مدريد، يوم 14 نونبر 1975.

ونص الإعلان على إنهاء إسبانيا مسؤولياتها وصلاحياتها باعتبارها القوة القائمة بالإدارة في الإقليم، وإقامة إدارة مؤقتة تشارك فيها كل من المغرب وموريتانيا بالتعاون مع الجماعة الصحراوية، على أن يكتمل إنهاء الوجود الإسباني في الإقليم في موعد أقصاه 28 فبراير 1976. 

وفي فبراير 1976، أنهت إسبانيا وجودها في الإقليم، غير أن ذلك لم يؤد إلى تسوية نهائية للنزاع، الذي دخل مرحلة جديدة اتسمت بتطورات سياسية وعسكرية ودبلوماسية استمرت لسنوات طويلة.

ومن الضروري، في قراءة تاريخية مهنية، التمييز بين إنهاء الوجود الإداري الإسباني وبين التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع، إذ ظل ملف الصحراء حاضراً في أجندة الأمم المتحدة، واستمر مرتبطاً بمسارات وقرارات دولية ذات صلة.

المسيرة الخضراء.. أكثر من حدث تاريخي

لا تقتصر أهمية المسيرة الخضراء على عدد المشاركين أو الصور التي وثقت لحظاتها، بل تمتد إلى ما خلفته من دلالات سياسية واجتماعية في الذاكرة الوطنية المغربية.

فقد شكلت لحظة بارزة في علاقة العرش بالشعب، وأظهرت قدرة التعبئة الشعبية المنظمة على التحول إلى عنصر مؤثر في مسار قضية وطنية، كما رسخت في الذاكرة الجماعية صورة آلاف المغاربة وهم يتجهون نحو الصحراء حاملين العلم الوطني والمصحف الشريف.

وبمرور السنوات، أصبحت الذكرى مناسبة لاستحضار مسؤولية الأجيال المتعاقبة في الحفاظ على الوحدة الوطنية، ومواصلة بناء المؤسسات، وتعزيز التنمية والحضور المغربي في محيطه الإقليمي والدولي.

من مسيرة التحرير إلى مسيرة التنمية

إذا كانت المسيرة الخضراء قد ارتبطت تاريخياً بمرحلة استكمال الوحدة الترابية، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في جعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية ركيزة أساسية لتحسين ظروف عيش المواطنين في مختلف جهات المملكة، وفي مقدمتها الأقاليم الجنوبية.

وقد أكد الملك محمد السادس في عدد من خطاباته أهمية استلهام روح المسيرة الخضراء في مواصلة البناء والتنمية، وتعزيز التضامن والعدالة المجالية، وتطوير البنيات التحتية والاستثمار وخلق فرص الشغل.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من استحضار محطات الماضي إلى استثمار دلالاتها في الحاضر، عبر تحويل التعبئة الوطنية إلى مشاريع ملموسة في مجالات التعليم والصحة والطرق والموانئ والاستثمار، بما يعزز كرامة المواطن وحقه في التنمية.

خاتمة: من ذاكرة التاريخ إلى رهانات المستقبل

تظل المسيرة الخضراء واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المغرب المعاصر، بما حملته من رمزية وطنية، وما أظهرته من قدرة على التنظيم والتعبئة، وما أعقبها من تحولات سياسية ودبلوماسية.

لقد مثلت المسيرة أكثر من تحرك جغرافي نحو الصحراء؛ فقد أصبحت جزءاً من الذاكرة الوطنية وموعداً سنوياً لاستحضار مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.

غير أن استحضار هذه الذكرى لا يكتمل بالاحتفاء بالماضي وحده، بل يتطلب مواصلة العمل من أجل التنمية والوحدة والتماسك الاجتماعي، والإيمان بأن بناء مستقبل البلاد مسؤولية تتقاسمها الأجيال المتعاقبة.

بقلم: الأستاذ محمد عيدني
مجلة اصوات  – الرباط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.