الانتخابات المغربية.. حين يتحول صوت الناخب إلى مسؤولية

لطالما أثارت الانتخابات المغربية نقاشاً واسعاً حول طبيعة الممارسة الانتخابية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببعض الممارسات التي يرى منتقدون أنها قد تسيء إلى صورة الاستحقاق الديمقراطي، من خلال تقديم وعود انتخابية مبالغ فيها أو استغلال حاجة بعض الفئات الاجتماعية بهدف كسب أصوات الناخبين والوصول إلى مواقع المسؤولية.

ومع كل موسم انتخابي، يعود النقاش حول المال الانتخابي ومحاولات استمالة الناخبين بوسائل مختلفة، سواء عبر مبالغ مالية أو مساعدات أو قسائم شراء أو غيرها من أشكال الإغراء المادي. وهي ممارسات، إذا ثبتت وفق المساطر القانونية، فإنها تطرح إشكالات جدية تتعلق بنزاهة المنافسة واحترام حرية وإرادة الناخب.

غير أن المسؤولية لا ترتبط بالمترشح وحده، وإنما تمتد أيضاً إلى الناخب باعتباره طرفاً أساسياً في العملية الانتخابية. فالصوت الانتخابي ليس مجرد ورقة توضع في صندوق الاقتراع، بل هو اختيار يمكن أن تكون له انعكاسات على تدبير الشأن العام، وعلى مستقبل المنطقة والخدمات والسياسات العمومية التي تهم حياة المواطنين.

ومن هنا يطرح السؤال: ماذا يحدث عندما يختار الناخب مرشحاً بناءً على وعد مؤقت أو منفعة عابرة، ثم يجد نفسه بعد الانتخابات أمام انتظارات اجتماعية وتنموية لم تتحقق؟

قد يكون بعض الناخبين ضحية وعود غير واقعية أو معلومات غير دقيقة، لكن الوعي بأهمية التصويت يظل جزءاً أساسياً من المسؤولية المدنية. فالاختيار الانتخابي الواعي يفترض، قدر الإمكان، الاطلاع على برامج المترشحين، ومتابعة مواقفهم، وتقييم ما يقدمونه من حلول واقعية لقضايا المواطنين.

إن قيمة الصوت الانتخابي لا ينبغي أن تختزل في مبلغ مالي أو قفة أو قسيمة شراء، بل في البرنامج والكفاءة والقدرة على خدمة المصلحة العامة طوال الولاية الانتخابية.

فالمواطن لا يحتاج فقط إلى منفعة مؤقتة تنتهي بانتهاء يوم الاقتراع، وإنما يحتاج إلى سياسات عمومية توفر له شروط العيش الكريم، وفرص الشغل، وتحسين التعليم والصحة والخدمات الأساسية.

ومن هذا المنطلق، فإن مغرب المستقبل يجب أن يكون فرصة للجميع لتغيير المسار؛ فرصة للناخب لكي يختار بوعي، وفرصة للمترشح لكي يقدم برنامجاً واضحاً وواقعياً، وفرصة للمجتمع من أجل ترسيخ ممارسة سياسية تقوم على المسؤولية والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما أن تغيير المسار لا يعني تحميل فئة اجتماعية بعينها مسؤولية اختياراتها، بل يقتضي بناء وعي انتخابي يحترم كرامة المواطن، ويجعله قادراً على اتخاذ قراره بعيداً عن الضغوط والمصالح المؤقتة.

فالانتخابات ليست مناسبة للحصول على قفة أو قسيمة أو مبلغ مالي، وإنما محطة لاختيار من سيتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام وتمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم.

إن المطلوب اليوم هو ترسيخ ثقافة انتخابية تقوم على الوعي والمساءلة، وعلى اختيار ممثلين يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ويقدمون وعوداً قابلة للتنفيذ، ويقبلون بالمحاسبة على نتائج عملهم.

وبناء مغرب المستقبل لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالمشاركة الواعية، واحترام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الثقة في المؤسسات، واحترام الإرادة الحرة للناخبين.

وهو توجه ينسجم مع الطموح إلى بناء مغرب متقدم وموحد ومتضامن، يقوم على التنمية الاقتصادية والبشرية، وعلى جعل المواطن محوراً أساسياً في السياسات العمومية.

وفي النهاية، يبقى صوت المواطن أمانة ومسؤولية، واختياره الانتخابي قراراً ينبغي أن يستند إلى الوعي والبرنامج والمصلحة العامة، لا إلى منفعة مؤقتة تنتهي بانتهاء يوم الاقتراع.

فمغرب المستقبل يبدأ من قرار واعٍ، ومن صوت حر، ومن قناعة بأن تغيير المسار مسؤولية مشتركة بين الناخب والمترشح والمجتمع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.