أنياب طليقة في الشوارع…الكلاب الشرسة بين إهمال الجماعات وثقافة “التربية العشوائية”

سكينة طاهري

لم تعد الكلاب الضالة مجرد مشهد مألوف في الأزقة، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة حين تختلط بالكلاب الشرسة التي يربيها البعض دون تأهيل أو وعي. بين مسؤولية الجماعات الترابية في تدبير الفضاء العام، ومسؤولية المواطن في “حق التربية”.

فكم من كلب عض لحم إنسان؟ ولماذا صار التهور في تربية كائن حي يُترك ليواجه مصيره جائعاً في الشارع؟
عندما يتحول “الصديق الوفي” إلى خطر عام
العلاقة بين الإنسان والكلب قديمة بقدم الحضارة. كان حارسا، رفيقا، وعاملا. لكن اليوم، اختل التوازن. تنتشر في أحيائنا كلاب شرسة، بعضها ضال، وبعضها الآخر له “مالك” يعتبره مجرد أداة للتباهي أو الحراسة، ثم يتركه للشارع حين يعجز عن إطعامه أو ترويضه.
المفارقة مؤلمة: هل من حق أي شخص أن يربي كلباً؟ نعم، الحيوان له حق الرحمة. لكن هل من حق الإنسان أن يحوّل هذا الحق إلى خطر يهدد غيره؟ هنا يبدأ النقاش الثقافي.
ثنائية المسؤولية: الجماعات أم الإنسان؟
– دور الجماعات: القانون واضح. تدبير الكلاب الضالة من اختصاص المجالس الجماعية. لكن المقاربة غالباً ما تكون “موسمية”: حملات قتل مؤقتة تثير جدلاً حقوقياً، أو تجاهل تام حتى تقع الكارثة. غياب ملاجئ، غياب برامج تعقيم وتطعيم مستدامة، وغياب شراكات حقيقية مع جمعيات الرفق بالحيوان، كلها عوامل تترك الفراغ يملؤه الخطر.
– دور الإنسان: ثقافة “التربية العشوائية”: أصبح اقتناء كلب من الفصائل الشرسة موضة. يشتريه شاب للاستعراض، يربطه فوق السطح، ويُجَوِّعه ليزداد شراسة، وحين يكبر ويصعب التحكم فيه، يكون مصيره الشارع. يرحمه من أبسط حقوقه: الأكل، فيكون في قمة جوعه ويتركه وسط الأماكن العامة. هذا ليس حباً للحيوان، بل تهور ينتج عنه ضحايا. فالكلب الجائع الخائف هو قنبلة موقوتة.
فجوة الوعي: بين الحق والواجب
الثقافة المجتمعية لم تواكب بعد ظاهرة تربية الكلاب. نحن نتحدث عن الحق في التربية، وننسى الواجب المصاحب له:
– واجب التأهيل: ليس كل شخص مؤهل نفسياً ومادياً لتربية كلب، خاصة الفصائل الشرسة التي تحتاج تدريباً خاصاً.
– واجب الرعاية: الكلب ليس إكسسواراً. يحتاج طعاماً، تطعيماً، مساحة، ووقتاً. إهماله هو تعذيب له، وتهديد لغيره.
– واجب القانون: في دول كثيرة، تربية كلب شرس تستلزم رخصة، تدريباً إجبارياً للمالك، وتأميناً عن الأضرار. أين نحن من هذا؟
 نحو ثقافة جديدة: من يتحمل العبء؟
الحل ليس في شيطنة الكلب، فهو ضحية أيضاً. الحل في بناء “ثقافة المسؤولية المشتركة”:
1. تشريع صارم: تقنين اقتناء الكلاب الشرسة، فرض رخصة، ومنع تركها في الفضاء العام تحت طائلة الغرامة.
2. دور الجماعات: الانتقال من منطق “الإبادة” إلى منطق “التدبير الأخلاقي”: ملاجئ، تعقيم، تطعيم، وتبني.
3. التوعية المدرسية والإعلامية: غرس قيم الرفق بالحيوان مقرونة باحترام سلامة الإنسان. الكلب ليس لعبة، والشارع ليس بيته.
4. تفعيل المجتمع المدني: جمعيات الرفق بالحيوان تحتاج دعما لتصبح شريكا حقيقيا، لا متطوعا منهكا.
صرخة لا يجب أن تتكرر
كل كلب عض لحم إنسان، هو في الحقيقة ضحية مرتين: مرة لإهمال الجماعات، ومرة لتهور إنسان غير مؤهل. إلى متى سنظل نسمع الصرخة ذاتها؟
القضية ليست “كلاباً ضد بشر”، بل “وعي ضد فوضى”. وحين نؤسس لثقافة تحترم حق الحيوان في الحياة الكريمة، وحق الإنسان في شارع آمن، عندها فقط ستتوقف الأنياب عن مطاردتنا في الأزقة.
هل تعتقد أن منع تربية الفصائل الشرسة هو الحل؟ أم أن الحل في تأهيل المربي قبل الكلب؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.