لم يعد حضور المرأة المغربية في المشهد السياسي مجرد عنوان للمشاركة أو التمثيلية داخل المؤسسات، بل أصبح محطة بارزة في تاريخ تدبير الشأن العام، مع وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب.
ويحمل هذا التحول دلالات سياسية ورمزية تتجاوز حدود التعيين، إذ يضع المرأة المغربية في موقع متقدم داخل هرم السلطة التنفيذية، ويفتح النقاش حول مكانتها في صناعة القرار وقدرتها على قيادة المؤسسات وتحمل المسؤوليات الكبرى.
من مراكش إلى رئاسة الحكومة.. مسار سياسي متدرج
ولدت فاطمة الزهراء المنصوري بمدينة مراكش في 3 يناير 1976، وتابعت دراستها في مجال القانون، حيث حصلت على شهادة في القانون الأنغلوساكسوني من جامعة بايس الأمريكية، ودبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه، إضافة إلى الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.
وبدأت مسارها المهني في مجال المحاماة، قبل أن تلج العمل السياسي سنة 2007 من خلال حركة لكل الديمقراطيين، ثم ساهمت في تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008.
وشكلت سنة 2009 محطة مهمة في مسارها، بعدما تولت رئاسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش، لتصبح أول امرأة تقود المجلس الجماعي للمدينة، قبل أن تخوض تجربة العمل البرلماني، وتتولى لاحقاً مسؤوليات قيادية داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
كما شغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2026، وتولت منذ سنة 2024 تنسيق القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.
وفي 29 شتنبر 2026، عُينت من طرف الملك محمد السادس رئيسة للحكومة، بموجب الفصل 47 من الدستور، في خطوة شكلت سابقة في التاريخ السياسي المغربي.
«نون النسوة».. بين رمزية الوصول واختبار المسؤولية
إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يطرح من جديد سؤال تمثيلية النساء في مواقع القرار، ومدى قدرة المؤسسات السياسية على تجاوز الحواجز التقليدية التي ظلت تحد من وصول المرأة إلى أعلى المسؤوليات.
لكن أهمية هذه المحطة لا ينبغي أن تختزل في كون رئيسة الحكومة امرأة، بل في طبيعة المرحلة التي تقودها، والقرارات التي ستتخذها، ومدى قدرتها على تحويل الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية إلى سياسات عمومية ملموسة.
فالمواطن المغربي لا ينتظر فقط تغييراً في صورة القيادة الحكومية، وإنما يتطلع إلى نتائج واضحة في ملفات التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والسكن، فضلاً عن تعزيز الثقة في المؤسسات ومحاربة مظاهر الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن هذا المنطلق، تصبح تجربة المنصوري اختباراً سياسياً ومؤسساتياً، ليس للمرأة المغربية وحدها، بل للممارسة الحكومية برمتها.
المرأة المغربية.. من المشاركة إلى صناعة القرار
على امتداد العقود الماضية، راكمت المرأة المغربية حضوراً متزايداً في مجالات الإدارة والقضاء والتعليم والاقتصاد والعمل السياسي، ونجحت أسماء نسائية في الوصول إلى مواقع قيادية داخل المؤسسات المنتخبة والحكومية.
ويأتي وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة ليضيف محطة جديدة إلى هذا المسار، ويعيد طرح النقاش حول ضرورة توسيع مشاركة النساء في مراكز المسؤولية، على أساس الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
كما يحمل هذا التطور رسالة إلى الأجيال الشابة من النساء، مفادها أن مواقع القرار ليست حكراً على الرجال، وأن المشاركة السياسية يمكن أن تتطور من الحضور داخل المؤسسات إلى تحمل المسؤولية التنفيذية العليا.
ما بعد الرمز.. المغاربة ينتظرون الحصيلة
رغم الأهمية التاريخية لتولي امرأة رئاسة الحكومة، فإن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطاً بما ستقدمه التجربة الحكومية من نتائج، وبمدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
فالقيادة السياسية لا تقاس بالجنس أو الرمزية وحدهما، وإنما بوضوح الرؤية، وجودة التدبير، ونجاعة القرارات، والقدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وبين رمزية «نون النسوة» وثقل المسؤولية الحكومية، تبدأ أمام فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة جديدة من العمل السياسي، عنوانها الأساسي الانتقال من سابقة تاريخية إلى حصيلة قابلة للتقييم والمحاسبة.
إن دخول المرأة المغربية إلى رئاسة الحكومة ليس نهاية الطريق نحو المساواة في مواقع القرار، بل محطة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة، يكون فيها معيار النجاح هو ما يتحقق على أرض الواقع، بعيداً عن كل أشكال التمييز أو الاكتفاء بالرمزية.