رصد تقرير مشترك لمركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والمنتدى المدني الديمقراطي المغربي، بشأن ملاحظة الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، استمرار عدد من الممارسات المؤثرة في العملية الانتخابية، إلى جانب بروز أشكال جديدة من التأثير عبر الفضاء الرقمي.
وأبرز التقرير، الصادر عقب الاستحقاق الانتخابي، استمرار محاولات التأثير في اختيارات الناخبين والناخبات بواسطة الهدايا أو المنافع، فضلاً عن تسجيل حملات انتخابية في فضاءات غير مسموح بها، وتوظيف بعض الفئات، ولا سيما النساء والشباب في المناطق النائية والمهمشة، في عمليات التعبئة والاستقطاب.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى انتقال جزء من هذه الممارسات إلى المجال الرقمي، من خلال تداول أخبار زائفة وادعاءات ومضامين تشهيرية، إضافة إلى استعمال محتويات مولدة أو معدلة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي بهدف التأثير في الناخبين أو المساس بصورة المترشحين والمترشحات.
وتتطابق هذه الملاحظة مع معطيات رسمية لرئاسة النيابة العامة، التي أفادت بتسجيل 22 شكاية مرتبطة بأفعال عبر شبكات التواصل الاجتماعي وأنظمة البث المفتوح والأنظمة المعلوماتية، خلال الفترة الممتدة من 31 غشت إلى 16 شتنبر 2026. كما سجلت النيابة العامة 93 شكاية انتخابية خلال الفترة التي شملتها حصيلتها، منها 54 شكاية تتعلق بأفعال ذات طابع جرمي و39 لا تكتسي صبغة جرمية.
وشملت الشكايات، وفق المعطيات الرسمية، أفعالاً مرتبطة بنشر أخبار أو ادعاءات كاذبة ومحتويات مفبركة عبر الوسائط الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب سبع شكايات بشأن تقديم هدايا أو تبرعات أو وعود بهدف التأثير في التصويت، فضلاً عن حالات مرتبطة بممارسة الحملات الانتخابية في أماكن غير مسموح بها. وتظل هذه الأرقام مرتبطة بشكايات مسجلة، ولا تعني في حد ذاتها ثبوت المسؤولية عن الوقائع موضوعها.
ويرى التقرير أن التحول الرقمي جعل البيئة الانتخابية أكثر تعقيداً، بعدما أصبحت الحملات والمعلومات والمضامين المتداولة تتحرك بين المجال الواقعي والفضاء الرقمي، الأمر الذي يطرح تحديات إضافية أمام عمليات الرصد والتحقق من صحة المعلومات.
كما توقف التقرير عند استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو والمضامين المركبة، معتبراً أن سرعة انتشار هذه المواد وقدرتها على محاكاة المحتوى الحقيقي تجعل التحقق منها أكثر صعوبة بالنسبة إلى المستخدم العادي.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أن توسع التأثير الرقمي لم يؤد إلى اختفاء الممارسات التقليدية، إذ استمرت، بحسب خلاصاته، مظاهر مرتبطة بالهدايا والمنافع والحملات في أماكن غير مسموح بها واستعمال العلاقات الشخصية والموارد للتأثير في المنافسة الانتخابية.
وفي ما يتعلق بالمشاركة السياسية، سجل التقرير محدودية انخراط الشباب، سواء على مستوى التسجيل أو الترشح، رغم الحضور القوي لقضاياهم في البرامج الانتخابية والخطاب السياسي والحملات الرقمية. واعتبر أن التحدي لا يقتصر على مخاطبة الشباب باعتبارهم فئة انتخابية، وإنما يتصل أيضاً بمدى حضورهم الفعلي في المؤسسات ومواقع التأثير.
أما بالنسبة إلى النساء، فقد أشار التقرير إلى تحسن نسبي في حضورهن العددي على مستوى التسجيل والترشيح، مقابل استمرار عراقيل بنيوية تحد من وصولهن إلى مواقع القيادة وصنع القرار. كما أشار إلى استمرار بعض مظاهر العنف السياسي والرقمي والتمييز ضد المرشحات.
وفي جانب آخر، خصص التقرير حيزاً لتقييم تجربة الملاحظة الانتخابية نفسها، مسجلاً وجود إكراهات ميدانية وتنظيمية مرتبطة بالتكوين والولوج إلى بعض المعطيات وظروف ممارسة الملاحظين لمهامهم.
ودعا في هذا السياق إلى فتح نقاش حول الإطار المنظم للملاحظة الانتخابية، وشروط استقلاليتها، والجهات المؤطرة لها والصلاحيات المخولة لها، بما يعزز قدرتها على الرصد والتقييم والمساهمة في تعزيز الثقة في العملية الانتخابية.
ويخلص التقرير إلى أن تقييم نزاهة الانتخابات لا يرتبط فقط بسير عمليات التصويت والفرز، وإنما يشمل أيضاً شروط المنافسة والمشاركة، والحد من التأثير غير المشروع، ومواكبة التحولات الرقمية، فضلاً عن تعزيز المشاركة الفعلية للشباب والنساء وتطوير آليات الملاحظة الانتخابية.