تحول تسريب بيانات منسوب إلى مجموعة القرصنة المعروفة باسم “جبروت” إلى قضية أمنية واستخباراتية عابرة للحدود، بعدما نشرت المجموعة ملفات قالت إنها تتضمن بيانات شخصية ومهنية لنحو 70 ألفاً و381 شخصاً من أفراد أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، وسط تحفظ رسمي مغربي وتساؤلات متزايدة حول مصدر البيانات ومدى صحتها.
ونشرت المجموعة، الاثنين 24 غشت، عبر قناتها على تطبيق “تلغرام”، أربعة ملفات بصيغة Excel، إضافة إلى قائمة منفصلة قالت إنها تضم أسماء 21 من كبار المسؤولين الأمنيين والاستخباراتيين، مدعية أن البيانات تخص عناصر من المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
وبحسب ما ورد في الملفات المنشورة، تتضمن البيانات أسماء وتواريخ ميلاد وأرقام بطاقات تعريف وأرقاماً مهنية ورتباً وسنوات الالتحاق بالأجهزة، إلى جانب معلومات أخرى قالت المجموعة إنها تشمل، في بعض الحالات، بيانات مصرفية، وهو ما يرفع من حساسية التسريب في حال ثبتت صحة المعطيات ومصدرها.
وفي المقابل، ربطت “جبروت” عملية النشر بأزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة في 30 يوليوز الماضي، وقدمت التسريب باعتباره “هدية إلى أوروبا وإلى إسبانيا خصوصاً”، كما زعمت امتلاكها معلومات وأوامر مرتبطة بعناصر أمنية مغربية انتقلت إلى مدينة الفنيدق قبل الأحداث وأثناءها.
غير أن هذه الادعاءات، ولا سيما ما يتعلق بوجود خطة رسمية وراء الهجرة الجماعية للمغاربة نحو أوروبا، لم تقدم المجموعة بشأنها أدلة مستقلة منشورة تسمح بالتحقق منها، ما يجعلها، في الوقت الراهن، جزءاً من الرواية التي تروج لها الجهة التي تقف وراء التسريب.
وفي غضون ذلك، أثارت الملفات المنشورة اهتماماً واسعاً في الصحافة الأوروبية، خصوصاً في فرنسا وإسبانيا، حيث انصب التدقيق على حجم البيانات وطبيعتها ومدى إمكانية التحقق من الأسماء الواردة فيها، فضلاً عن السؤال الأكثر حساسية المتعلق بالطريقة التي حصلت بها المجموعة على هذه المعلومات.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “لوموند” بأنها اطلعت على الملفات، مشيرة إلى أنها تتضمن أسماء نحو 70 ألف عضو مفترض في أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، بينهم أشخاص يعملون في أوروبا ومؤسسات مغربية استراتيجية.
كما نقلت الصحيفة، وفق المعطيات الواردة في التحقيق، فرضية تفيد بإمكانية وقوف خمسة عناصر سابقين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، يقيمون في المنفى بأوروبا، وراء العملية، وهو ما يفتح احتمالاً مختلفاً عن سيناريو الاختراق الإلكتروني التقليدي، من خلال فرضية وجود مصدر بشري لديه معرفة سابقة ببنية الأجهزة وبياناتها.
ومن جهة أخرى، بدأت أجهزة الأمن والاستخبارات الإسبانية، وفق تقارير صحافية محلية، في فحص البيانات المسربة ومقارنتها بالمعلومات المتوفرة لديها، بهدف التحقق من الأسماء والمعطيات وتحديد ما إذا كانت بعض الشخصيات الواردة في القوائم ترتبط بعمليات أو مصادر أو اتصالات داخل إسبانيا.
كما ركزت الصحافة الإسبانية على الأسماء المرتبطة بالبعثات الدبلوماسية المغربية، إذ أفادت صحيفة “ذي أوبجكتيف” بأنها قارنت إحدى قواعد البيانات المسربة بالقائمة الرسمية للدبلوماسيين الأجانب المعتمدين في إسبانيا، وخلصت إلى وجود خمسة أسماء من أعضاء السفارة المغربية في مدريد ضمن القائمة المنشورة.
وأضافت الصحيفة، في متابعة لاحقة، أن القوائم المسربة تتضمن أيضاً أسماء 11 نائب قنصل مغربي في إسبانيا، ثمانية منهم يعملون في قنصليات ببرشلونة ولاس بالماس ومورسيا والجزيرة الخضراء، مع التأكيد على أن ورود اسم أي شخص في قاعدة بيانات مسربة لا يشكل، بمفرده، دليلاً على ممارسته نشاطاً استخباراتياً.
وفي السياق ذاته، ورد اسم عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ومدير المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ضمن قائمة كبار المسؤولين التي نشرتها المجموعة، فيما وجهت “جبروت” اتهامات إلى مسؤولين أمنيين بشأن أحداث سبتة، دون أن تتوفر، وفق المعطيات المعروضة، وثائق مستقلة منشورة تثبت تلك الاتهامات.
وفي المغرب، اتسم التعامل الإعلامي مع التسريب بقدر أكبر من التحفظ، إذ أشارت تقارير متخصصة إلى ضرورة الفصل بين حجم قاعدة البيانات وبين صحة جميع محتوياتها، مرجحة أن يكون جزء من المعطيات عبارة عن إعادة تجميع لبيانات سبق أن ظهرت في تسريبات سابقة.
كما برزت ملاحظات بشأن طبيعة الأسماء الواردة في الملفات، مع ترجيح أن يكون عدد مهم منها مرتبطاً بموظفين وعناصر في المديرية العامة للأمن الوطني، وليس بالضرورة بأفراد تابعين للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني أو بأشخاص يحملون صفة استخباراتية.
وبالتالي، فإن وجود اسم شخص في قاعدة بيانات مسربة لا يكفي لإثبات صفته المهنية أو طبيعة المهام التي يزاولها، خصوصاً مع ظهور مؤشرات تفيد بأن بعض البيانات قديمة أو غير محدثة، ووجود أسماء لمسؤولين سابقين أو أشخاص متوفين ضمن بعض القوائم.
ويأتي التسريب الأخير بعد سلسلة من العمليات التي نسبت إلى مجموعة “جبروت” منذ أبريل 2025، واستهدفت، بحسب ادعاءات المجموعة، مؤسسات وقطاعات مغربية مختلفة، بينها بيانات مرتبطة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومؤسسات أخرى.
ورغم توثيق بعض التسريبات من قبل جهات متخصصة في الأمن السيبراني، ظلت هوية المجموعة ومصدر البيانات محل تكهنات، مع تداول فرضيات متعددة بشأن الجهات أو الأشخاص المحتمل وقوفهم وراء العمليات، من دون أن يثبت علناً حتى الآن أي من هذه الفرضيات بشكل حاسم.
وتزداد حساسية التسريب الجديد بسبب توقيته، إذ جاء بعد أسابيع من أزمة الهجرة في سبتة، وفي ظل أهمية التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا، فضلاً عن وصول البيانات إلى وسائل إعلام أوروبية وبدء جهات إسبانية في فحصها.
وفي المقابل، لم يصدر، إلى حدود الخميس 27 غشت، رد رسمي معلن من الحكومة المغربية أو المديرية العامة للأمن الوطني أو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بشأن التسريب أو مدى صحة البيانات المنشورة، وفق المعطيات المتاحة.
كما لم يعلن رسمياً عن فتح تحقيق أو تحديد طبيعة الاختراق المزعوم ومصدر البيانات، في وقت تتواصل فيه عملية التدقيق الإعلامي والأمني في إسبانيا وفرنسا بشأن القوائم المتداولة.
وبذلك، تظل الأسئلة الأساسية المرتبطة بالتسريب مفتوحة، خصوصاً ما يتعلق بمصدر البيانات، ومدى حداثتها وصحتها، وما إذا كانت ناتجة عن اختراق جديد لأنظمة أمنية مغربية أم عن إعادة تجميع لمعطيات سبق تسريبها.
وفي انتظار معطيات رسمية أو تحقيقات مستقلة أكثر اكتمالاً، لا يمكن الجزم بأن المجموعة اخترقت مباشرة الأنظمة المركزية للأجهزة الأمنية المغربية، كما لا يمكن اعتبار جميع الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في القوائم عناصر استخباراتية، غير أن حجم البيانات وتحقق وسائل إعلام من عدد من الأسماء، إلى جانب اهتمام أجهزة إسبانية بفحصها، جعل القضية تتجاوز حدود تسريب إلكتروني عادي لتتحول إلى ملف أمني واستخباراتي حساس ما تزال ملابساته قيد التدقيق