حداد: أزمة سبتة تحتاج حقائق لا مؤامرات

مجلة أصوات

قال لحسن حداد، البرلماني عن حزب الاستقلال ووزير السياحة الأسبق، إن أزمة الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة يومي 30 و31 يوليوز لا يمكن اختزالها في فرضية واحدة، مؤكداً أن عدم تمكن السلطات المغربية من منع دخول أعداد كبيرة من الأشخاص لا يعني، في حد ذاته، أن الدولة سمحت بالأمر أو نظمته.

وأوضح حداد، في مقال رأي نشرته صحيفة «إل باييس»، أن المغرب وإسبانيا بحاجة إلى «حقائق، لا إلى أساطير متعارضة»، مشدداً على أن أي تحقيق بشأن ما جرى ينبغي أن ينطلق من الأدلة والوقائع، وليس من النتيجة التي يرغب أي طرف في إثباتها.

وفي هذا السياق، اعتبر البرلماني أن من المشروع طرح سؤال حول كيفية تمكن آلاف الأشخاص من التجمع والتوجه نحو سبتة دون أن تتمكن السلطات المغربية من منع ذلك، لكنه حذر من الانتقال مباشرة من هذا السؤال إلى استنتاج مفاده أن الدولة المغربية كانت وراء الأزمة أو أرادت وقوعها.

ويرى حداد أن فهم ما جرى يقتضي العودة إلى التسلسل الزمني للأحداث، مشيراً إلى أن التحرك نحو سبتة لم يظهر بشكل مفاجئ، إذ كانت قبل صدور حكم المحكمة العليا الإسبانية شبكة واسعة للهجرة غير النظامية تضم مجموعات على شبكات التواصل الاجتماعي ومهربين ومقاطع فيديو توثق محاولات الوصول إلى المدينة.

وأضاف أن الحكم القضائي أدخل عنصراً جديداً إلى المشهد، لكنه كان محدود النطاق، لأنه تعلق بالإجراء المطبق على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر، ولم ينشئ حقاً عاماً في دخول سبتة أو البقاء فيها.

غير أن هذا التمييز القانوني، بحسب حداد، اختفى في التداول الرقمي، بعدما تحولت الرسائل المتداولة منذ حوالي 8 يوليوز إلى خلاصة مبسطة مفادها أن من يصل إلى سبتة عن طريق البحر لا يمكن إعادته، معتبراً أن المعلومة القانونية المبسطة والخاطئة قد تكون أكثر قدرة على حشد الناس من حقيقة قانونية معقدة.

وأشار إلى أن القوات المغربية اعترضت، خلال الأسابيع التي سبقت الأزمة، أشخاصاً حاولوا الوصول إلى سبتة براً وبحراً في مناسبات متكررة، معتبراً أن هذه الوقائع ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تقييم أي فرضية تتحدث عن وجود خطة حكومية لفتح الطريق عمداً.

وفي المقابل، أوضح أن كل عملية وصول ناجحة كانت تساهم في تغذية المحاولة التالية، وأن الرسالة المتداولة لم تعد مرتبطة فقط باعتقاد بوجود ميزة قانونية مفترضة، وإنما أصبحت ببساطة أن الوصول إلى سبتة «ممكن».

وبحسب حداد، فإن ما حدث في 30 يوليوز كان نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها ضغط الهجرة غير النظامية، والتعبئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات الاتجار، والمعلومات القانونية المشوهة، والصور واسعة الانتشار، إضافة إلى التجمع الكبير للأشخاص بالقرب من نقطة العبور نحو سبتة.

وفي هذا الإطار، طرح حداد سؤالاً يعتبره محورياً لأي تحقيق جدي، يتعلق بسبب توقف إجراءات الوقاية خلال ساعات حاسمة وفي نقاط معينة، مشيراً إلى مجموعة من الاحتمالات دون تقديم أي منها باعتباره حقيقة ثابتة.

وتساءل عما إذا كانت السلطات قد فوجئت بحجم التعبئة وسرعتها، أو كانت تنتظر تعزيزات أو تعليمات، أو إذا كان خطر مواجهة حشد كبير قد أثر في قراراتها، فضلاً عن احتمال ارتباط توقيت الأحداث بتزامنها مع احتفالات عيد العرش.

كما تساءل عما إذا كانت السلطات أرادت تفادي مشاهد عنف كان من الممكن أن تؤثر في الاحتفالات، أو ما إذا كان المحرضون على التحرك قد راهنوا تحديداً على هذا الاحتمال، مؤكداً في المقابل أن المعطيات المتوفرة حالياً لا تكفي لتحديد سبب التوقف المؤقت للتدخل.

وفي ما يتعلق بفرضية وجود عملية منظمة من طرف الدولة، يرى حداد أن هذه الفرضية تواجه بدورها سؤالاً زمنياً، يتعلق بسبب اختيار لحظة كان من شأن الأزمة خلالها أن تطغى على واحدة من أهم الاحتفالات الوطنية وأن تضر بصورة المغرب.

واعتبر أن هذا السؤال مشروع، لكنه شدد على أن طرحه لا يكفي بمفرده لإثبات وجود عملية منظمة أو قرار رسمي بالسماح بالعبور.

وفي المقابل، دعا إلى النظر في التطورات التي أعقبت الأزمة، مشيراً إلى أن القوات المغربية استأنفت تدخلها، وأن السيطرة على الوضع تمت استعادتها، قبل أن يتعاون المغرب وإسبانيا في إعادة غالبية الأشخاص الذين تمكنوا من العبور.

وبناء على ذلك، اعتبر حداد أن أي تفسير جدي للأحداث يجب أن يكون قادراً على تفسير ما وقع قبل الأزمة وأثناءها وبعدها، وليس التركيز على لحظة واحدة وإغفال باقي الوقائع.

ووضع البرلماني في صلب تحليله التمييز بين ثلاث فرضيات، أولها أن السلطات ربما لم تتمكن من منع الدخول الجماعي، وثانيها أنها سمحت به عمداً، وثالثها أنها قامت بتنظيمه، مؤكداً أن هذه الفرضيات مختلفة وتتطلب كل واحدة منها أدلة خاصة بها.

ومن هذا المنطلق، خلص حداد إلى أن عدم منع الأزمة لا يعني بالضرورة التساهل، وأن التساهل لا يعني بالضرورة وجود تنظيم مسبق، داعياً إلى تطبيق المبدأ نفسه على مختلف نظريات المؤامرة التي ترافق عادة الأزمات المغربية الإسبانية.

وانتقد في السياق ذاته انتشار فرضيات تتحدث عن عمليات سرية ومؤامرات جيوسياسية في بعض أوساط النقاش العام الإسباني دون تقديم أدلة كافية، معتبراً أن ما يثير القلق هو عدم إخضاع بعض هذه الادعاءات للتدقيق من طرف عدد من الصحافيين والمثقفين الإسبان.

وفي الوقت نفسه، أكد أن تحديد الجهة التي تقف وراء التعبئة يظل أمراً ضرورياً، مشيراً إلى أن المغرب وإسبانيا لجآ إلى الحديث عن «مافيات» تقف وراء التحركات، وهو وصف اعتبره مبهماً ما لم يتم تحديد هوية الجهات المعنية والمصالح التي تخدمها.

ويرى حداد أن أجهزة المعلومات والاستخبارات في البلدين كان يفترض أن تكشف طبيعة هذه الشبكات قبل الأزمة، وأن عليها اليوم مسؤولية تحديد الجهات التي تقف وراء التعبئة وتوضيح دورها في ما حدث.

كما تعامل الوزير الأسبق بحذر مع الاتهامات التي وجهت إلى الجزائر، بعدما تحدثت روايات عن انتشار شائعات عبر شبكات التواصل الاجتماعي تزعم أن حدود سبتة مفتوحة، وأن بعضها صدر عن هواتف تحمل الرمز الدولي الجزائري.

وتوقف حداد كذلك عند ادعاء إعلامي مغربي تحدث عن كون 60 في المائة من الشباب الذين تجمعوا بالقرب من أبواب سبتة كانوا جزائريين، معتبراً أن هذا الادعاء غير قابل للتصديق، بحسب تقديره.

واعتبر أن فرضية وقوف السلطات الجزائرية وراء المناورة يصعب إثباتها بالمعطيات المتوفرة، وإن كان يرى إمكانية وجود أطراف داخل الصراع المغربي الجزائري قد تسعى إلى استغلال الأزمة للإضرار بصورة الملك والنظام السياسي المغربي.

لكنه أشار في المقابل إلى أن فرضية معاقبة إسبانيا تبدو أقل ترجيحاً في ظل استعادة العلاقات بين الجزائر ومدريد خلال الفترة الأخيرة.

كما تناول حداد نظرية أخرى تربط الأزمة بما يسمى «الدولة العميقة» داخل المغرب، من خلال الجمع بين المطالب المرتبطة بالمدن المحتلة والاستياء من إسبانيا بسبب تقاربها مع الجزائر، لكنه رأى أن هذه الفرضية لا تنسجم مع احتمال تعريض الملك والنظام السياسي المغربي لضرر من هذا النوع.

وتطرق كذلك إلى فرضيات تحدثت عن دور محتمل للثنائي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بهدف الضغط على رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بسبب موقفه من حرب غزة، غير أنه اعتبر هذه النظرية غير مرجحة، لأنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى إلحاق الضرر بصورة المغرب وإظهار حجم الإحباط والرغبة في الهجرة لدى شريحة من الشباب المغربي.

وفي جانب آخر من مقاله، اعتبر حداد أن أزمة سبتة ينبغي ألا تحجب الحاجة إلى استخلاص دروس أوسع بشأن العلاقات المغربية الإسبانية، مشيراً إلى أن بلدين ديمقراطيين مثل إنجلترا وإسبانيا تمكنا، قبل أحداث سبتة مباشرة، من التوصل إلى تفاهم بشأن جبل طارق بما يخدم سكان المناطق الحدودية، دون أن يتخلى أي طرف عن مواقفه الأساسية.

وفي المقابل، قال إن المغرب وإسبانيا لم يتمكنا حتى الآن من إيجاد تفاهم مماثل يخدم سكان سبتة ومليلية ومحيطهما، متسائلاً عما إذا كان ذلك مرتبطاً باختلاف القواعد الديمقراطية بين البلدين أو بالفوارق الكبيرة في مستويات عدم المساواة بين سبتة والفنيدق، مقارنة بالفارق بين لا لينيا وجبل طارق.

ويرى حداد أن هذه الفوارق الاجتماعية والاقتصادية تمثل عاملاً مهماً بالنسبة إلى الجيل الجديد من الشباب المغربي، الذي يواجه تطلعات مرتفعة وظروفاً اقتصادية واجتماعية تدفع بعض أفراده إلى البحث عن فرص خارج البلاد.

وفي ختام مقاله، شدد الوزير الأسبق على أن وراء الجدل السياسي والأمني المتعلق بأزمة سبتة مأساة إنسانية، لأن أشخاصاً وثقوا بالمعلومات المتداولة وخاطروا بحياتهم، فيما فقد بعضهم حياته خلال الأحداث.

وأكد أن معرفة كيفية وقوع الأزمة تظل أهم من إثبات الرواية التي يفضلها أي طرف، داعياً المغرب وإسبانيا إلى توضيح ما حدث يومي 30 و31 يوليوز، وما الذي كانت تعرفه أجهزة الأمن والاستخبارات في البلدين، وما الذي لم تتمكن من توقعه، وكيف يمكن منع تكرار مأساة مماثلة.

كما دعا البلدين، بعيداً عن تداعيات الأزمة الحالية، إلى التعامل بهدوء مع مستقبل سبتة ومليلية والمناطق المحيطة بهما، على أساس حسن الجوار والاحترام والمصالح المتبادلة، مؤكداً أن ضحايا الأزمة يستحقون تحقيقاً حقيقياً ينطلق من الأدلة لا من النتائج المسبقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.