كشف تقرير حديث للبنك الدولي أن المغرب نجح خلال العقدين الماضيين في تحقيق أداء فلاحي لافت مكّنه من تقليص اعتماده على الواردات الغذائية، ليصبح إلى جانب الأردن الاستثناء الوحيد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث انخفاض صافي الواردات الغذائية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن هذا النجاح يواجه تحديات متزايدة بفعل توالي سنوات الجفاف، التي باتت تهدد استدامة النمو الزراعي والأمن الغذائي بالمملكة.
وأوضح التقرير، المعنون بـ”بناء الأمن الغذائي، خلق فرص العمل: مسارات سياساتية للمنطقة”، أن القيمة المضافة للقطاع الفلاحي في المغرب سجلت نمواً سنوياً بلغ 5.3 في المائة، متجاوزة معدل النمو الاقتصادي الوطني البالغ 3.2 في المائة، وهو أداء يفوق متوسط دول المنطقة. كما استقر صافي واردات الغذاء عند 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2022، وهو مستوى أقل بكثير من عدة دول مجاورة.
في المقابل، حذر البنك الدولي من التأثير العميق لموجات الجفاف التي عرفها المغرب بين 2016 و2023، بعدما أدت إلى تراجع مردودية الحبوب بنسبة 40 في المائة، وانخفاض المساحات المزروعة بـ44 في المائة، الأمر الذي انعكس على ارتفاع واردات القمح بحوالي 30 في المائة. كما تراجع معدل نمو إنتاج الحبوب من 1.9 في المائة إلى 0.5 في المائة نتيجة الاعتماد الكبير على الزراعة البورية.
وأكد التقرير أن الأراضي المسقية، رغم أنها لا تمثل سوى 20 في المائة من المساحات الزراعية، توفر أكثر من نصف القيمة المضافة للقطاع، وترتفع مساهمتها إلى نحو 75 في المائة خلال سنوات الجفاف، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لتوسيع أنظمة الري وتحسين كفاءة استخدام المياه.
وفي السياق ذاته، أبرز التقرير المكانة المتقدمة للمغرب في قطاع الصيد البحري، بعدما استحوذ على نحو 1.4 مليون طن من أصل 4.4 ملايين طن من الإنتاج الإقليمي سنة 2023، كما تجاوزت صادراته من المنتجات البحرية 2.3 مليار دولار. وسجل أيضاً تطوراً في تربية الأحياء المائية وإنتاج المنتجات الغابوية غير الخشبية، إلى جانب ارتفاع حصة صادرات الفواكه والخضروات المغربية في الأسواق الدولية من 15 إلى 20 في المائة.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، أشار التقرير إلى أن 75 في المائة من النساء بالمغرب يستوفين الحد الأدنى من التنوع الغذائي، فيما بلغت نسبة السكان غير القادرين على تحمل تكلفة نظام غذائي صحي 13.6 في المائة سنة 2024، وهي من أدنى النسب إقليمياً. ورغم ذلك، حذر من استمرار ما وصفه بـ”العبء المزدوج لسوء التغذية”، المتمثل في ارتفاع معدلات السمنة إلى جانب استمرار نسب متوسطة من تقزم الأطفال.
كما سلط التقرير الضوء على جهود المغرب في مجال الفلاحة الذكية مناخياً، من خلال التوسع في الزراعة بدون حرث، وتطوير أنظمة الري بالتنقيط منخفضة استهلاك الطاقة، إضافة إلى تحديث سلاسل الإنتاج واللوجستيك الغذائي. وأكد أن القطاع الفلاحي يوفر نحو ثلث فرص العمل بالمملكة، بينما ساهمت الصناعات الغذائية الموجهة للتصدير في خلق فرص شغل جديدة خارج المزارع.
واعتبر البنك الدولي أن مستقبل الفلاحة المغربية سيظل مرتبطاً بقدرتها على تحسين حكامة الموارد المائية، ورفع كفاءة استعمال المياه، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص. وخلص إلى أن الاستثمار في البنية التحتية الزراعية والتكنولوجيا الحديثة يمكن أن يرفع إنتاج الحبوب بنسبة تصل إلى 80 في المائة، ويضاعف إنتاج الفواكه والخضروات، بما يعزز الأمن الغذائي ويضمن استدامة النمو في ظل التغيرات المناخية.