حين يختنق الوادي: من يطعم الأسماك بلاستيكا؟ الضمير الغائب وراء جريمة بيئية صامتة

سكينة طاهري

نغضب حين نرى شاطئا متسخا، لكننا لا ننتبه إلى الجريمة الأبشع التي تحدث يوميا في صمت. أودية التي تختنق تحت أطنان البلاستيك وبقايا الذبائح وحفاضات الأطفال.

تحولت شرايين الماء، في بعض مقاطعها، إلى مكبات نفايات مفتوحة. جولة على ضفاف تكفي لرؤية الكارثة: أكياس سوداء معلقة بأغصان الأشجار كأنها ثمار مسمومة، وقنينات زيت فارغة، وإطارات مطاطية، وبقايا بناء.  أحد أبناء المنطقة،الحاج محمد يقول: “كنا نصطاد هنا السردين النهري ونحن صغار، اليوم لا نجد إلا البلاستيك. السمك مات، والواد ولى مريض. وحنا السبب”. هذا الاعتراف الموجع يجب أن يكون نقطة انطلاقنا، لا مجرد شهادة عابرة.

لا يمكن فهم هذه الكارثة بمعزل عن عواملها المركبة، السبب الأول هو خلل في التربية البيئية، حيث لم تنجح المدرسة ولا الأسرة في ربط النظافة بالعقيدة والسلوك اليومي. فالطفل يرى أباه يرمي قنينته من نافذة السيارة، فيقلده دون شعور بالخطيئة.

أما السبب الثاني فهو عقلية “الواد يديها”، ذلك الاعتقاد الخاطئ بأن جريان الماء سيخفي الجريمة، بينما الواقع أن 80% من نفايات الأودية تعلق بالضفاف أو تصل إلى البحر لتقتل الحياة البحرية.

السبب الثالث، وهو الأكثر إثارة للغضب، هو غياب الردع الفعلي. القانون 28.00 موجود على الورق، لكن من رأى دركياً بيئياً يحرر مخالفة واحدة على ضفة واد؟ الإفلات من العقاب هو أعظم محفز على التمادي. ثم يأتي السبب الرابع المتمثل في ضعف البنية التحتية، فبعض الدواوير القريبة من الوديان لا تتوفر على حاويات قمامة، والمواطن يختار الحل الأسهل: الواد. أما السبب الخامس والأخطر فهو تطبيع الكارثة. “الناس كلها كترمي” تحول الفعل الشاذ إلى شيء عادي، وهنا يموت الضمير الجماعي.

قبل القانون وقبل التربية، هناك الدين والضمير. الإسلام حرّم الإفساد في الأرض صراحة: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”. والنبي ﷺ قال: “اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل”. فكيف بمن يرمي جيفة بلاستيكية في مورد ماء تشرب منه الدواب والبشر؟ إطعام السمك بلاستيكاً ليس فقط قتلاً للثروة السمكية، بل هو استهتار بأمانة استخلافنا في الأرض. فهل يعقل أن نصلي ونصوم ثم نلقي قنينة في الواد ونقول “الواد كبير يديها”؟ الضمير الديني هنا أصبح مدفونا تحت كيس القمامة.

عند البحث عن المسؤول، نجد الجميع في قفص الاتهام. المواطن أولا، لأنه الفاعل المباشر. ثم الجماعات الترابية التي تقصر في توفير الحاويات وتنظيف الضفاف وتفعيل الشرطة الإدارية. والمجتمع المدني والمدرسة يشتركان في غياب حملات ميدانية مستمرة، فالتوعية لا يمكن أن تبقى مجرد ملصق في الخامس من يونيو ثم ننسى. وأخيراً الإعلام الذي يركز على تلوث الشواطئ لأنها قابلة للتصوير، متناسياً الأودية لأنها “بعيدة عن الكاميرا”.

 

 

لكن الوعظ وحده لا يكفي. هناك حلول عملية يجب تطبيقها دون تردد. أولاً الردع: تفعيل شرطة الماء والبيئة، ونصب كاميرات مراقبة في النقاط السوداء، وفرض غرامة فورية مع التشهير بالمخالفين بعد طمس وجوههم. ثانياً التحفيز: إطلاق مبادرة “وادنا نظيف” في كل جماعة، حيث يُغرس شجر باسم كل من يجمع 10 أكياس نفايات من الواد. ثالثاً التربية: إدخال “ساعة الواد” في المقرر الدراسي، بحيث يزور كل تلميذ وادياً مرة في السنة وينظفه، لأن ما يمارس لا ينسى. رابعاً البديل: إجبار المقاهي ومحلات الشواء على ضفاف الوديان على وضع حاويات كبيرة وتوقيع التزام بيئي تحت طائلة الإغلاق.

الواد لا يشتكي، ولا يرفع دعوى قضائية، ولا يصرخ في الإعلام. يموت في صمت، وتموت معه الأسماك والطيور والمياه الجوفية التي سنشربها أنفسنا بعد سنوات. السؤال الآن لم يعد “هل حرام؟” بل “إلى متى سنستمر في قتل أوديتنا بأيدينا؟”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.