مع اقتراب العدّ التنازلي لانطلاق الموسم الصيفي، يعود شبح التلوث ليخيّم من جديد على الشواطئ المغربية، حيث تتحول الرمال الذهبية التي يفترض أن تكون متنفساً للعائلات إلى مساحات مثقلة بالبلاستيك وبقايا الطعام، في مشهد يتكرر كل عام وكأنه قدر لا يُكسر.
ورغم أن الصورة مألوفة، إلا أن هذا الموسم يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل فشلنا فعلاً في اختبار النظافة قبل بداية الصيف، أم أننا نعيد إنتاج المشكلة نفسها كل سنة دون مواجهة جذورها؟
ترسانة قانونية قوية… وواقع أقل صرامة
يبدو المغرب، على الورق، مجهزاً بإطار قانوني متقدم، وعلى رأسه القانون 28.00 المتعلق بتدبير النفايات، الذي يجرّم رمي الأزبال في الفضاءات العمومية ويتيح فرض غرامات زجرية على المخالفين. كما يشكل برنامج “شواطئ نظيفة”، الذي تقوده مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، أحد أبرز المبادرات الوطنية، حيث يشمل تأهيل أكثر من مائة شاطئ عبر تجهيزها بالحاويات والمرافق الصحية وإطلاق حملات تحسيسية خلال الموسم الصيفي.
لكن بين قوة النصوص وضعف الواقع، تتسع الهوة. فالمراقبة الميدانية ما تزال محدودة، وغالباً ما تُختزل الجهود في حملات موسمية قصيرة الأمد، لا تخلق أثراً دائماً ولا تُرسخ سلوكاً مستداماً لدى المصطافين.
المشكلة أعمق من التدبير… إنها أزمة سلوك
وراء أطنان النفايات المتراكمة، تختبئ إشكالية أعمق من مجرد نقص في التدبير: إنها أزمة سلوك جماعي. فجزء كبير من المصطافين ما زال يتعامل مع النظافة كخدمة تُقدَّم له، لا كمسؤولية يشارك فيها.
ثقافة “ارمِ واترك غيرك ينظف” لا تزال حاضرة بقوة، ما يجعل الشاطئ يتحول في نهاية اليوم إلى عبء ثقيل على عمال النظافة، بدل أن يكون فضاءً مشتركاً يحافظ عليه الجميع.
في المقابل، تثبت تجارب دولية أن تغيير هذا الواقع ممكن، لكنه يبدأ من جذور المجتمع: التربية المبكرة داخل الأسرة والمدرسة، وترسيخ فكرة أن احترام الفضاء العام جزء من الهوية اليومية، وليس سلوكاً موسمياً.
الشاطئ… ليس مجرد مكان للترفيه
في العمق، الشاطئ ليس مجرد مساحة للسباحة والاستجمام، بل هو مرآة تعكس مستوى الوعي الجماعي ونضج العلاقة مع الفضاء العام. فكل قطعة بلاستيك على الرمال هي إشارة صغيرة إلى خلل أكبر في الثقافة البيئية.
ومع اقتراب صيف 2026، يصبح التحدي الحقيقي ليس فقط في تنظيف الشواطئ، بل في منع اتساخها من الأساس. أي الانتقال من منطق “التنظيف بعد الفوضى” إلى منطق “المسؤولية قبل الفوضى”.
في النهاية، لا تنتصر المعركة ضد التلوث بالجرافات أو الحملات الموسمية وحدها، بل تبدأ من قرار بسيط لكنه حاسم، أن نفكر مرتين قبل أن نترك أثرنا على المكان الذي نغادره.