كيف أشعلت منصات التواصل أكبر موجة عبور نحو سبتة؟

مجلة أصوات

لم تبدأ أكبر موجة عبور نحو مدينة سبتة المحتلة من شاطئ البحر، بل انطلقت من شاشات الهواتف الذكية، بعدما اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي رسائل ومقاطع فيديو زعمت أن الوصول إلى المدينة أصبح ممكنا دون وثائق، وأن العبور سباحة لا يؤدي بالضرورة إلى الإعادة الفورية. وخلال أيام قليلة، دفعت هذه الروايات المضللة آلاف الشبان إلى التوجه نحو مدينة الفنيدق والمناطق المجاورة للشريط الحدودي، في واحدة من أكبر محاولات الهجرة الجماعية خلال السنوات الأخيرة.

ولم تكن هذه التحركات وليدة التفاعل العفوي مع منشورات متداولة، بل جاءت نتيجة تداخل التضليل الرقمي مع نشاط شبكات الاتجار بالبشر، إلى جانب الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها عدد من الشباب، ما جعل الرسائل الإلكترونية تتحول إلى محرك فعلي للأحداث على الأرض.

وتشير معطيات متقاطعة إلى أن الحملة الرقمية سبقت محاولات العبور بأسابيع، إذ تصاعد تداول المحتوى المرتبط بسبتة خلال شهر يوليوز، مستندا إلى تأويلات مغلوطة لقرار قضائي إسباني، جرى تقديمه على أنه يفتح الباب أمام الوصول إلى أوروبا، رغم أن ذلك لا يعكس الإطار القانوني المنظم للهجرة.

كما تضمنت المنشورات معلومات تفصيلية حول نقاط التجمع، وطرق الوصول إلى الفنيدق، والمسالك المؤدية إلى محيط معبر تاراخال، إضافة إلى صور لمعدات السباحة ووسائل الطفو، ما منحها مصداقية لدى عدد كبير من المتابعين.

وبحسب تقرير استخباراتي إسباني اعتمد على تحليل المصادر المفتوحة ورصد المحتوى الرقمي، فقد حققت الحملة أكثر من 11 مليون تفاعل محتمل عبر الفيديوهات والمنشورات والمجموعات الرقمية، مع رصد نشاط لحسابات في المغرب والجزائر وتونس وفرنسا والولايات المتحدة، دون الجزم بوجود جهة واحدة تقف وراء هذه الحملة.

ويؤكد التقرير أن بعض مجموعات التراسل تجاوزت مرحلة التحفيز إلى التنسيق الميداني، من خلال تبادل معلومات دقيقة حول وسائل النقل ونقاط الالتقاء ومسارات الوصول إلى الحدود، في مؤشر على تطور أساليب استغلال المنصات الاجتماعية في تنظيم الهجرة غير النظامية.

وتبرز هذه المعطيات أن شبكات الاتجار بالبشر أصبحت تعتمد بشكل متزايد على البيئة الرقمية، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى عبر الخوارزميات، ومن إعادة تداول الرسائل دون التحقق من صحتها، بما يسمح بتحويل معلومة مضللة إلى قناعة جماعية خلال وقت قصير.

غير أن نجاح هذه الحملات لم يكن ممكنا لولا وجود بيئة اجتماعية هشة، إذ دفعت البطالة وضيق فرص الشغل والتكوين عددا من الشباب إلى اعتبار تلك الرسائل فرصة للهجرة، قبل أن يصطدم كثير منهم بواقع مختلف، تمثل في الإجراءات الأمنية، وقوة التيارات البحرية، وسقوط ضحايا غرق واختفاء.

وتعكس أحداث سبتة تحولا عميقا في طبيعة الهجرة غير النظامية، بعدما أصبح الهاتف الذكي أداة للتعبئة والتنسيق، وبات بالإمكان تحريك آلاف الأشخاص نحو نقطة حدودية واحدة خلال ساعات عبر رسالة أو مقطع فيديو قصير.

وتؤكد هذه التطورات أن مواجهة الظاهرة لم تعد تقتصر على تشديد المراقبة البرية والبحرية، بل أصبحت تستوجب أيضا مكافحة التضليل الرقمي، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وتعزيز الرصد المبكر للمحتوى المحرض على الهجرة غير النظامية.

وفي المقابل، تظل المعالجة الأمنية وحدها غير كافية، إذ إن الرسائل المضللة تجد طريقها إلى الانتشار عندما تصطدم بواقع اجتماعي صعب وانسداد في آفاق الشباب. لذلك يبقى تحسين فرص التشغيل، وتوسيع برامج الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز الوعي بمخاطر المعلومات غير الموثقة، عناصر أساسية للحد من تكرار مثل هذه الأزمات.

وتؤكد أحداث سبتة أن الحدود لم تعد تبدأ عند البحر أو الأسلاك الشائكة، بل أصبحت تبدأ من شاشة الهاتف، حيث يمكن لمنشور أو مقطع فيديو مجهول المصدر أن يحرك آلاف الأشخاص في وقت قياسي، ما يجعل حماية الفضاء الرقمي جزءا لا يتجزأ من منظومة أمن الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.