بقلم الأستاذ محمد عيدني – باحث وإعلامي
يطرح تزايد النقاش حول قضايا الطلاق بالمغرب أسئلة اجتماعية وقانونية عميقة بشأن مستقبل الأسرة المغربية، ومدى قدرة التشريعات والسياسات العمومية على تحقيق التوازن بين ضمان حقوق الزوجين والحفاظ على مؤسسة الزواج باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المجتمع.
وفي ظل النقاشات المتواصلة حول إصلاح مدونة الأسرة وتطوير المساطر القانونية المرتبطة بالطلاق، تبرز تساؤلات جوهرية بشأن موقع الوقاية من التفكك الأسري ضمن الأولويات التشريعية والاجتماعية، ومدى الاهتمام بآليات الإصلاح والوساطة قبل الوصول إلى قرار الانفصال.
ولا يتعلق الأمر بالتقليل من حق المرأة في الانفصال عندما تستحيل مواصلة الحياة الزوجية، أو التشكيك في حقها في الحماية من العنف والإهمال، وإنما بضرورة اعتماد مقاربة متوازنة تجعل حماية الأسرة والوقاية من النزاعات جزءاً أساسياً من العدالة الأسرية.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يكون الأطفال طرفاً في تداعيات الخلافات الزوجية، إذ قد يؤدي الانفصال المصحوب بالنزاعات حول الحضانة والنفقة والزيارة إلى انعكاسات نفسية وتربوية تستدعي مواكبة خاصة، تضع مصلحة الطفل في مقدمة الاعتبارات.
ومن هذا المنطلق، تبرز مسؤولية وزارة العدل في تقييم مدى فعالية مساطر الصلح المنصوص عليها في مدونة الأسرة، والوقوف على قدرة هذه الآليات على احتواء الخلافات الزوجية القابلة للإصلاح، دون المساس بحقوق الأطراف أو فرض استمرار علاقات تتسم بالعنف أو الضرر.
فالعدالة الأسرية لا ينبغي أن تقتصر على تنظيم إجراءات الطلاق وتحديد آثاره القانونية، بل يتعين أن تشمل أيضاً تشجيع الوساطة، وضمان الإنصاف، وحماية الطرف المتضرر، وصيانة المصالح الفضلى للأطفال.
كما أن الحكومة مطالبة بفتح نقاش وطني مسؤول حول واقع الأسرة المغربية، بمشاركة القضاة والمحامين والباحثين الاجتماعيين وعلماء الدين والجمعيات المتخصصة، بعيداً عن المزايدات أو تحويل القضية إلى صراع بين حقوق الرجل والمرأة.
إن بناء أسرة مستقرة يقتضي ترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة، القائمة على الاحترام والتفاهم والتضامن، والوعي بأن الزواج ليس مجرد عقد قانوني، بل التزام أخلاقي واجتماعي يتطلب تحمل المسؤولية من الطرفين.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تعزيز مراكز الوساطة الأسرية، وتوفير المواكبة النفسية والاجتماعية للأزواج، وتطوير برامج التأهيل للمقبلين على الزواج، إلى جانب ضمان حماية قانونية فعالة للمرأة والرجل والأطفال من مختلف أشكال العنف والتعسف والإضرار.
وتستند هذه المقاربة كذلك إلى قيم المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف التي تؤطر العلاقة الزوجية في المرجعية الإسلامية، وتجعل الإصلاح والصلح من المبادئ الأساسية في تدبير الخلافات الأسرية، مع صيانة الكرامة والحقوق وتحمل الواجبات.
فالدفاع عن الأسرة لا يعني التضييق على المرأة أو حرمانها من حقوقها، كما أن المطالبة بحقوق المرأة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإغفال مسؤوليات وحقوق باقي أفراد الأسرة.
إن المطلوب اليوم ليس التراجع عن المكتسبات القانونية أو حرمان أي طرف من حقه في اللجوء إلى القضاء، بل بناء منظومة أسرية متوازنة تمنع التعسف، وتضمن عدم ضياع الحقوق، وتجعل مصلحة الأطفال أولوية في مختلف مراحل النزاع.
وعلى وزارة العدل أن تقدم تقييماً واضحاً لواقع الطلاق بالمغرب ونجاعة مساطر الصلح، فيما يتعين على الحكومة إدراج حماية الأسرة ضمن سياساتها الاجتماعية، لأن معالجة نتائج التفكك وحدها لا تكفي ما لم تقترن بمعالجة أسبابه والحد من العوامل المؤدية إليه.
فالأوطان لا تبنى بالمشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية فقط، بل تحتاج أيضاً إلى أسر متماسكة وأطفال ينشؤون في بيئة سليمة، ومجتمع يؤمن بأن الاستقرار الأسري مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود النصوص القانونية.
ويبقى السؤال المطروح: هل تتحرك وزارة العدل والحكومة لوضع سياسة وطنية متكاملة لحماية الأسرة المغربية، أم سيظل النقاش منصباً على تدبير آثار الطلاق بعد وقوعه، دون منح الوقاية والإصلاح المكانة التي يستحقانها؟
إن حماية الأسرة ليست مسؤولية المرأة وحدها ولا الرجل وحده، بل مسؤولية الدولة والمجتمع معاً، لأن استقرار البيوت يشكل أحد الشروط الأساسية لاستقرار المجتمع وضمان مستقبل الأجيال القادمة.
بقلم الأستاذ محمد عيدني – باحث وإعلامي