الأمير تركي الفيصل من الرباط: التحولات الرقمية تفرض حماية الهوية الثقافية وصون الذاكرة الجماعية

مجلة اصوات

الرباط – مجلة أصوات

دعا الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، إلى تعزيز الجهود الرامية إلى حماية الهوية الثقافية والخصوصية الحضارية للمجتمعات، في ظل التسارع المتنامي للتحولات الرقمية وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وجاء ذلك خلال درس ألقاه بالعاصمة الرباط، عقب تنصيبه عضوا مشاركا بأكاديمية المملكة المغربية، حيث أكد أن التحدي الراهن لا يكمن في مواكبة التقدم التكنولوجي فحسب، بل في القدرة على توجيهه بما يحافظ على القيم الإنسانية والذاكرة الجماعية ويضمن استمرارية الموروث الثقافي لدى الأجيال الجديدة.

وأوضح الفيصل أن الانتشار الواسع للمحتويات الرقمية وتدفق المعلومات عبر مختلف المنصات يفرضان إعادة النظر في السياسات الثقافية وآليات تدبيرها، بما يسمح للمجتمعات العربية بتجاوز النقاش التقليدي حول الأصالة والحداثة، نحو بناء نموذج ثقافي منفتح قادر على التفاعل مع التحولات العالمية دون التفريط في مقومات الهوية.

وشدد المتحدث على أن صيانة التراث وتوثيقه ورقمنته، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان استمراره، ما لم تقترن بجهود لإعادة تقديمه للأجيال الصاعدة وربطه بواقعها المعاصر، مع الحفاظ على أصالته وقيمه الحضارية.

كما أبرز أهمية اللغة والتاريخ والعلوم والذاكرة الجماعية في ترسيخ الانتماء الثقافي، محذرا من تنامي تأثير المضامين الرقمية العابرة للحدود على أنماط التفكير والسلوك، خاصة لدى الأطفال والشباب، في ظل الحضور المتزايد للأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية والعوالم الافتراضية في الحياة اليومية.

وفي سياق متصل، توقف الأمير تركي الفيصل عند الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، مقابل التحديات المرتبطة بتأثيرها على العلاقات الإنسانية والإنتاج الثقافي، داعيا إلى تعزيز مسؤولية الإنسان في توجيه استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصا فيما يتعلق باختيار المعارف والقيم التي ينبغي الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

وأكد أن الثقافة تظل أداة أساسية لتعزيز التفاهم بين الشعوب ومواجهة الصور النمطية، من خلال الأدب والفن والموسيقى، محذرا من توظيف الخطابات الثقافية الإقصائية بما قد يغذي الاستقطاب ويعمق الانقسامات.

وخلص الفيصل إلى أن صون الهوية الثقافية في العصر الرقمي يتطلب تحقيق التوازن بين الاستفادة من الابتكار التكنولوجي والحفاظ على التنوع الحضاري، مع ضمان بقاء الإنسان في صلب القرارات التي ترسم مستقبل الثقافة وتحدد علاقتها بالتحولات العالمية.

ويعيد هذا النقاش تسليط الضوء على أهمية تطوير السياسات الثقافية وتعزيز حضور التراث في الحياة المعاصرة، بما يضمن انتقاله من مجرد ذاكرة محفوظة إلى رافعة للمعرفة والحوار والتعايش بين الأجيال والشعوب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.