المنطقة العازلة بعد رحيل المينورسو.. قراءة في رسائل بلاغ الديوان الملكي ورهانات المرحلة الجديدة

مجلة اصوات

مجلة اصوات الرئيسية - مجلة أصوات | قراءة وتحليل

لم يعد مستقبل المنطقة العازلة شرق الجدار الأمني في الصحراء المغربية مجرد سؤال مرتبط بوجود بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول طبيعة المرحلة السياسية والأمنية التي تدخلها القضية الوطنية، عقب عدم تمديد ولاية البعثة الأممية، وما حمله بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر 2026 من رسائل سياسية ودبلوماسية بشأن مستقبل تدبير هذا الملف.

ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى أن بعثة المينورسو، التي تأسست سنة 1991، اضطلعت بمهمة مراقبة وقف إطلاق النار، إلى جانب مهام أخرى مرتبطة بالمسار الأممي لتسوية النزاع. ومع انتهاء ولايتها دون صدور قرار جديد بتمديدها، تبرز تساؤلات بشأن مستقبل آليات المراقبة، ومصير الترتيبات العسكرية القائمة، ومدى تأثير غياب المراقبين الدوليين على الوضع الميداني.

بلاغ الديوان الملكي.. ما وراء إعلان انتهاء مرحلة؟

يحمل بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر 2026 أبعاداً تتجاوز مجرد الإشارة إلى عدم تمديد مهمة المينورسو، إذ يعبر عن توجه مغربي يرمي إلى الانتقال من منطق تدبير النزاع داخل المسار الأممي التقليدي إلى مرحلة جديدة تقوم على التحرك الدبلوماسي الثنائي والإقليمي.

وقد اعتبر البلاغ أن عدم تمديد ولاية البعثة يشكل خطوة ذات دلالة في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن وجود البعثة بطواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها في الأقاليم الجنوبية ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.

كما تضمن البلاغ موقفاً واضحاً بشأن مستقبل التعاطي مع الملف داخل مجلس الأمن، من خلال الدعوة إلى وضع حد لإحالته على المجلس وسحب القضية من جدول أعماله، بما يشمل الاجتماعات الدورية والتقارير المرتبطة بها وإحاطات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة.

وفي المقابل، شدد المغرب على تمسكه بوقف إطلاق النار، واحترام سلامة ووحدة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه، مع مواصلة الدينامية الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وتكشف هذه المضامين عن وجود مسارين متلازمين في الموقف المغربي: الأول سياسي ودبلوماسي يرتبط بإعادة صياغة طريقة تدبير الملف، والثاني أمني وميداني يؤكد استمرار الالتزام بوقف إطلاق النار.

المنطقة العازلة.. هل ينتهي وضعها برحيل المينورسو؟

تعتبر المنطقة العازلة الواقعة شرق الجدار الأمني من أكثر النقاط حساسية في المعادلة الميدانية للصحراء المغربية، بالنظر إلى ارتباطها بترتيبات وقف إطلاق النار والاتفاقات العسكرية التي أُنشئت في إطار المسار الأممي سنة 1991.

ومن الناحية القانونية، ينبغي التمييز بين انتهاء ولاية بعثة المينورسو وبين انتهاء الترتيبات العسكرية التي تنظم الوضع الميداني. فغياب البعثة لا يعني تلقائياً إلغاء القيود العسكرية أو تغيير الوضع القانوني للمنطقة العازلة، كما لا يمنح أي طرف حق فرض واقع جديد من جانب واحد.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ستستمر الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار رغم غياب الآلية الأممية التي كانت تتولى مراقبتها، أم ستحتاج الأطراف المعنية إلى ترتيبات جديدة تضمن استمرار ضبط الوضع الميداني؟

وحتى الآن، لا يتضمن بلاغ الديوان الملكي إعلاناً صريحاً بإلغاء المنطقة العازلة أو تغيير وضعها، بل يؤكد التمسك بوقف إطلاق النار، وهو ما يجعل مستقبل هذه المنطقة مرتبطاً بالتطورات القانونية والسياسية والأمنية المقبلة.

غياب المراقبة الأممية.. تحديات المرحلة المقبلة

من أبرز التحديات التي تطرحها نهاية مهمة المينورسو مسألة مراقبة الالتزامات العسكرية والتحقق من التطورات الميدانية، خصوصاً أن البعثة كانت تشكل آلية أممية لمراقبة وقف إطلاق النار وتوثيق الحوادث والتواصل مع الأطراف المعنية.

ومن شأن انتهاء مهمتها أن يطرح أسئلة عملية حول الجهة التي ستتولى مراقبة الوضع الميداني، وكيفية التعامل مع أي خروقات محتملة، وما إذا كانت هناك إمكانية لإرساء آلية بديلة تحظى بقبول الأطراف المعنية.

كما أن غياب المراقبين الدوليين قد يجعل التحقق المستقل من بعض الوقائع أكثر تعقيداً، وهو ما يفرض أهمية تفادي أي خطوات أحادية من شأنها رفع مستوى التوتر أو المساس بالاستقرار الإقليمي.

من المسار الأممي إلى الدبلوماسية الثنائية والإقليمية

من خلال قراءة بلاغ الديوان الملكي، يتضح أن المغرب يعلن توجهاً نحو تعزيز التحرك الدبلوماسي خارج الإطار التقليدي الذي ارتبط باجتماعات مجلس الأمن وتقارير المينورسو.

ويضع هذا التوجه مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في صلب الدينامية السياسية المقبلة، مستنداً إلى ما أورده البلاغ بشأن الدعم الدولي الذي تحظى به المبادرة من أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة.

غير أن هذا التحول يطرح بدوره أسئلة حول طبيعة التفاعلات المقبلة داخل باقي أجهزة الأمم المتحدة، ومدى إمكانية ترجمة الموقف المغربي إلى خطوات مؤسساتية ودبلوماسية جديدة.

مرحلة جديدة وأسئلة مفتوحة

إن انتهاء ولاية المينورسو لا يقدم، في حد ذاته، جواباً نهائياً عن مستقبل المنطقة العازلة، كما لا يعني بالضرورة انتهاء جميع الترتيبات المرتبطة بوقف إطلاق النار.

فالمرحلة المقبلة ستتحدد من خلال كيفية تدبير مغادرة البعثة، ومصير آليات المراقبة، واستمرار الالتزامات العسكرية، فضلاً عن التطورات الدبلوماسية المرتبطة بمبادرة الحكم الذاتي.

وبين الرسائل السياسية التي حملها بلاغ الديوان الملكي والإشكالات القانونية والأمنية التي يطرحها غياب المينورسو، يبقى السؤال المركزي: هل ستشهد الصحراء المغربية إعادة صياغة شاملة لآليات تدبير الوضع الميداني، أم أن ترتيبات وقف إطلاق النار ستستمر بصيغ مختلفة رغم انتهاء المهمة الأممية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستتطلب متابعة دقيقة للقرارات الأممية المقبلة والمواقف الرسمية للأطراف المعنية، بعيداً عن الخلط بين انتهاء مهمة المراقبة الأممية وبين التغيير التلقائي للوضع القانوني والميداني للمنطقة العازلة.                              


 بقلم . بوسيدون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.