وعود الحملات الانتخابية بين شعبوية الخطاب وواقع الاقتصاد

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

تتسابق بعض الأحزاب السياسية، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، في تقديم وعود انتخابية تبدو أحيانًا وكأنها مزاد مفتوح لشراء الرضا الشعبي، من زيادات في الأجور إلى منح ودعم وتحسينات مالية، دون أن يسمع المواطن في المقابل جوابًا واضحًا عن السؤال الأكثر أهمية: من سيدفع فاتورة هذه الوعود؟

فالسياسة ليست مسابقة في توزيع الأمنيات، والاقتصاد ليس صندوقًا سحريًا يمكن فتحه كلما اقترب موعد الانتخابات. ومن غير المسؤول أن تتحول معاناة المواطنين وحاجتهم المشروعة إلى ورقة انتخابية تُستعمل لإغراقهم بوعود براقة، بينما تغيب الأرقام، وتختفي مصادر التمويل، ولا تقدم الحسابات الدقيقة لتكلفة البرامج وآثارها على المالية العمومية والاستثمار والتشغيل.

الوعود المجانية لا وجود لها

يحتاج الخطاب السياسي الجاد إلى شيء من الصراحة التي يبدو أن كثيرًا من الفاعلين السياسيين يخشونها: لا توجد أموال مجانية في الاقتصاد.

فكل إنفاق عمومي يحتاج إلى تمويل، وكل زيادة في النفقات لها انعكاسات على الميزانية، وكل التزام مالي جديد ينبغي أن يقابله مورد مستدام أو إصلاح حقيقي في بنية الاقتصاد.

أما تقديم الوعود للمواطن وكأن الدولة تمتلك موارد بلا حدود، فليس سياسة اجتماعية، وإنما تبسيط خطير لمعطيات اقتصادية معقدة.

والمواطن لا يحتاج إلى سياسي يَعِده بكل شيء، ثم يبحث بعد الانتخابات عن الأعذار. إنه يحتاج إلى من يقول له بوضوح: هذه هي الإمكانات، وهذه هي الأولويات، وهذه هي تكلفة الإصلاح، وهذه هي النتائج التي يمكن تحقيقها خلال سنة أو خمس سنوات.

رفع الأجور ليس شعارًا انتخابيًا

يبرز الجدل حول رفع الحد الأدنى للأجور مثالًا واضحًا على الفرق بين الشعار السياسي والحساب الاقتصادي.

فالحديث عن بلوغ حد أدنى مرتفع، مثل 5000 درهم، قد يبدو جذابًا في الحملات الانتخابية، لكنه لا يمكن أن يُناقش بمعزل عن إنتاجية العامل، وقدرة المقاولات على التحمل، ومستوى التضخم، وتكلفة الإنتاج، والتنافسية، وحجم الاقتصاد غير المهيكل.

فالزيادة غير المدروسة في تكلفة اليد العاملة قد تكون لها آثار عكسية، خصوصًا بالنسبة للمقاولات الصغيرة والقطاعات الصناعية التي تنافس في الأسواق الدولية.

وقد يجد العامل نفسه أمام مفارقة خطيرة: ارتفاع اسمي في الأجر يقابله ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، أو تقلص في فرص الشغل، أو انتقال بعض الأنشطة إلى الاقتصاد غير المهيكل.

لذلك، فإن الأجر الحقيقي لا يقاس بالرقم المكتوب في ورقة الأجرة فقط، وإنما بما يستطيع المواطن شراءه بهذا الدخل وما يستطيع الاحتفاظ به بعد أداء تكاليف السكن والنقل والغذاء والتعليم والخدمات.

المشكلة ليست في الأجر فقط

بدل الدخول في سباق الأرقام، كان الأولى أن يفتح السياسيون نقاشًا أكثر عمقًا حول تكلفة الحياة نفسها.

لماذا ترتفع تكلفة السكن؟ لماذا يتحمل المواطن أعباء ضريبية ورسومًا متعددة؟ لماذا تعاني بعض القطاعات من تعقيدات إدارية؟ ولماذا لا يتحول جزء أكبر من الاستثمار العمومي إلى فرص عمل منتجة ومستدامة؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية.

أما اختزال الأزمة الاجتماعية في رقم جديد للحد الأدنى للأجور، فهو يشبه معالجة أعراض المرض دون الاقتراب من أسبابه.

الدولة الاجتماعية لا تعني دولة توزيع الأموال

من حق المواطن أن يستفيد من الحماية الاجتماعية، ومن حق الفئات الهشة أن تحصل على الدعم، لكن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى ثقافة انتظار دائم للدعم.

الدولة القوية هي التي تمكن المواطن من العمل والإنتاج والاستقلال الاقتصادي، لا التي تجعله ينتظر كل موسم انتخابي وعدًا جديدًا.

فالدعم قد يكون ضروريًا في حالات معينة، لكنه لا يمكن أن يصبح فلسفة اقتصادية دائمة. وإذا لم يتحول الدعم إلى وسيلة للاندماج الاقتصادي وتحسين التعليم والتكوين وخلق فرص العمل، فإنه قد يتحول إلى مسكن مؤقت يخفي الأزمة بدل أن يحلها.

أين الاستثمار؟ أين الإنتاج؟ أين الإصلاح؟

إذا كانت الأحزاب تريد بالفعل تحسين مستوى معيشة المغاربة، فعليها أن تتحدث بجدية عن الإنتاجية والاستثمار والتصدير والتصنيع والتعليم والتكوين المهني وتبسيط الإدارة ومحاربة الريع وتحسين مناخ الأعمال.

هذه الملفات أقل شعبية من توزيع الوعود، لكنها أكثر أهمية لبناء اقتصاد قادر على خلق الثروة.

فالاقتصاد لا يصبح قويًا بكثرة الشعارات، وإنما بكثرة الشركات المنتجة، وفرص العمل المستدامة، والاستثمارات، والابتكار، والصادرات، والتعليم الجيد.

ومن العبث أن نطالب باقتصاد قوي بينما نُثقل المقاولة بالإجراءات والتكاليف، ونترك البيروقراطية تعرقل المستثمر، ثم ننتظر في النهاية من القطاع الخاص أن يتحمل كل أعباء التشغيل.

التعليم هو الاستثمار الذي لا يجوز تأجيله

إذا كان هناك قطاع يستحق أن يُعامل باعتباره قضية وطنية فوق الحسابات الانتخابية، فهو التعليم.

فلا يمكن بناء اقتصاد تنافسي بتعليم ضعيف، ولا يمكن مواجهة التحولات التكنولوجية بعقلية تعليمية جامدة، ولا يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص بينما تختلف جودة التعليم بشكل كبير من فضاء إلى آخر.

إن إصلاح التعليم ليس منحة انتخابية تقدم للمواطن، بل استثمار طويل الأمد في الإنسان المغربي.

والأموال التي تُنفق على تعليم جيد وتكوين علمي وتقني حقيقي قد تكون أكثر قيمة من عشرات برامج الدعم المؤقتة، لأنها تمنح المواطن القدرة على إنتاج دخله بدل انتظار تحويل مالي من الدولة.

خفض كلفة الدولة بدل رفع كلفة المواطن

المطلوب اليوم ليس فقط زيادة الإنفاق، وإنما أيضًا رفع كفاءة الإنفاق العمومي.

فكل درهم عمومي يجب أن يخضع للسؤال: ما مردوديته؟ وما أثره على المواطن؟ وهل كان يمكن إنفاقه بطريقة أكثر فعالية؟

إن محاربة الهدر، وتبسيط الإدارة، ورقمنة المساطر، وترشيد النفقات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاصرة تضارب المصالح والريع، كلها إجراءات يمكن أن توفر موارد دون اللجوء في كل مرة إلى زيادة الضرائب أو الاقتراض أو توسيع كتلة النفقات.

المواطن ليس طفلًا يحتاج إلى من يبيع له الأحلام

أخطر ما في الخطاب الشعبوي أنه يفترض أن المواطن لا يريد سوى المال والوعود.

وهذا استخفاف بالناخب المغربي.

المواطن يريد مستشفى يحترم كرامته، ومدرسة تمنح أبناءه فرصة حقيقية، وإدارة لا تهدر وقته، وقضاء فعالًا، ونقلًا لائقًا، وفرصة عمل، وأجرًا يحفظ كرامته، وبيئة اقتصادية تسمح له ببناء مستقبله.

وإذا كان السياسي غير قادر على تقديم هذه الرؤية، فلا ينبغي أن يعوض عجزه بسلسلة من الوعود المالية التي لا يعرف أحد كيف سيتم تمويلها.

الصراحة السياسية أصبحت ضرورة

قد يكون من السهل على السياسي أن يقول للمواطن: سنرفع الأجور، وسنزيد الدعم، وسنخفض الأسعار، وسنوفر فرص العمل، وسنوسع الخدمات.

لكن السياسي الجاد هو من يستطيع أن يضيف الجملة التي غالبًا ما تغيب: هذه هي تكلفة البرنامج، وهذه هي مصادر تمويله، وهذه هي الإصلاحات التي سنقوم بها حتى لا ندفع ثمنه غدًا.

هنا تبدأ السياسة الحقيقية.

أما أن تتحول الانتخابات إلى موسم للوعود، وأن يتم استغلال الضغوط الاجتماعية في صناعة خطاب عاطفي، فذلك لا يبني اقتصادًا ولا يصنع دولة قوية.

المغرب يحتاج إلى مشروع لا إلى مزاد انتخابي

لقد حقق المغرب خلال العقود الماضية تحولات اقتصادية وبنيوية مهمة، لكن حجم التحديات المقبلة يفرض الانتقال من منطق تدبير الحاضر إلى منطق بناء المستقبل.

العالم يتغير بسرعة، والتكنولوجيا تعيد تشكيل سوق العمل، والمنافسة الدولية تشتد، والطاقة والمياه وسلاسل الإنتاج أصبحت عناصر استراتيجية، والهجرة تستنزف جزءًا من الطاقات الشابة.

وفي مثل هذا السياق، لا يمكن أن تكون الإجابة مجرد وعود انتخابية جديدة.

المطلوب مشروع اقتصادي واضح، يقوم على الإنتاج والاستثمار والتعليم والابتكار والعدالة الاجتماعية، ويمنح القطاع الخاص مساحة حقيقية للنمو، ويجعل الإدارة خادمة للتنمية لا عائقًا أمامها.

وفي المقابل، يحتاج المجتمع نفسه إلى خطاب سياسي أكثر جرأة؛ خطاب يقول للمواطن إن بناء دولة قوية لا يتم فقط بالمطالب، وإنما أيضًا بالعمل والإنتاج وترشيد الاستهلاك واحترام المال العام.

لقد آن الأوان للخروج من سوق الوعود الانتخابية.

فالمواطن المغربي لا يحتاج إلى سياسي يبيع له الوهم، ولا إلى برنامج مليء بالأرقام الجميلة التي لا يعرف أحد مصدر تمويلها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الانتخابات إلى منافسة في من يقدم الوعد الأكبر، بدل أن تكون منافسة في من يقدم المشروع الأكثر واقعية.

فالانتخابات ليست موسمًا لشراء الأصوات بالوعود، والمال العام ليس ملكًا للأحزاب، والاقتصاد لا يخضع لمنطق التصفيق.

ومن أراد أن يحكم، فعليه أن يشرح كيف سيمول وعوده، ومن أراد أن يطلب ثقة المواطن، فعليه أن يملك الشجاعة ليقول له الحقيقة كاملة، حتى عندما تكون الحقيقة صعبة.

المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الوعود التي تستهلك المستقبل؛ بل يحتاج إلى قرارات تصنع المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.