تواصل مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط تعزيز موقعها ضمن الفاعلين العالميين في صناعة الأسمدة، من خلال تطوير وإنتاج أسمدة منخفضة الكادميوم تستجيب لأعلى المعايير البيئية والدولية، في خطوة تجمع بين الرهان الصناعي، والالتزام البيئي، وتثمين الخبرة المغربية في مجال الابتكار الفوسفاطي.
وفي هذا السياق، كشفت معطيات قُدمت خلال زيارة إعلامية إلى المنصة الصناعية للجرف الأصفر أن المجموعة نجحت في تطوير تقنيات صناعية متقدمة لإزالة الكادميوم من حمض الفوسفوريك، بما يسمح بإنتاج أسمدة بمستويات تركيز تقل عن 20 مليغراما لكل كيلوغرام من خامس أكسيد الفوسفور، وهو مستوى يقل بكثير عن السقف المعتمد في بعض التشريعات الأوروبية المحدد في 60 مليغراما لكل كيلوغرام.
وتندرج هذه الخطوة ضمن رؤية استراتيجية تعتمدها المجموعة من أجل التوفيق بين متطلبات السوق العالمية للأسمدة وضرورات الاستدامة البيئية، خاصة أن صخور الفوسفاط تحتوي بشكل طبيعي على نسب متفاوتة من معدن الكادميوم، ما يستدعي معالجته خلال مراحل التحويل الصناعي لتفادي انتقاله إلى الأسمدة ثم إلى التربة والبيئة.
وبحسب الشروحات المقدمة، تبدأ الدورة الصناعية لإنتاج الأسمدة باستقبال صخور الفوسفاط القادمة من المناجم، قبل إخضاعها لسلسلة من التحويلات الكيميائية لإنتاج حمض الفوسفوريك، الذي يُوجَّه لاحقا إلى وحدات إنتاج الأسمدة. وخلال هذه العملية، يتم اعتماد تقنيات خاصة لإزالة الكادميوم عبر عزله عن الحمض وتحويله إلى مادة صلبة قابلة للتخزين الآمن، في أفق تثمينها مستقبلا في مجالات متخصصة ترتبط، من بين ما ترتبط به، بالانتقال الطاقي الأخضر.
وفي هذا الإطار، أوضح جليل الدحماني، مسؤول بإدارة إنجاز المشاريع الصناعية بالمجمع الصناعي بالجرف الأصفر، أن المكتب الشريف للفوسفاط يواصل تنزيل مشاريع صناعية كبرى تروم إنتاج أسمدة متطورة تستجيب لحاجيات الزبائن في مختلف الأسواق العالمية، مشيرا إلى أن الأسمدة منخفضة الكادميوم تمثل أحد أبرز محاور هذا التوجه الصناعي والبيئي.
كما أبرز الدحماني أن هذه المشاريع جاءت ثمرة عمل بحثي وصناعي متواصل، انطلق منذ سنوات برؤية استباقية، حيث عملت فرق البحث بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية على تطوير حلول مبتكرة، قبل أن تتولى فرق تطوير المشاريع الصناعية تحويل هذه الحلول إلى منشآت إنتاجية وبرامج تنفيذ ميدانية دقيقة، مع تعبئة المعدات والوسائل التقنية الضرورية لإنجاحها.
ومن جانبه، أكد حمزة عدام، المسؤول عن قسم الابتكار والبحث التطبيقي في وحدة الأعمال الاستراتيجية للتصنيع على مستوى مجموعة OCP، أن المكتب اختبر عشرات الحلول التقنية قبل الاستقرار على التكنولوجيا الحالية الخاصة بإزالة الكادميوم، موضحا أن هذه العملية تقوم على إضافة مواد تسمح بتشكيل معقدات مع الكادميوم، ما يسهل فصله عن حمض الفوسفوريك وتحويله إلى مادة صلبة مستقلة.
وأضاف المتحدث ذاته أن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في الامتثال للمعايير الدولية، بل أيضا في كونه ثمرة تكنولوجيا وطنية طورت بكفاءات مغربية داخل منظومة البحث والتطوير التابعة للمجموعة وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، بما يعزز السيادة الصناعية والمعرفية للمغرب في قطاع استراتيجي ذي امتداد عالمي.
وفي الاتجاه نفسه، أوضحت أمال فاضل، رئيسة عمليات حمض الفوسفوريك بالمنصة الصناعية للجرف الأصفر، أن إدماج وحدات إزالة الكادميوم في عمليات الإنتاج لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة سنوات من العمل التقني والتجريبي، مكنت من تكييف مسارات إنتاج الأسمدة لتلائم متطلبات الأسواق الدولية من حيث الجودة والسلامة البيئية.
ويبرز هذا التوجه، في المحصلة، انتقال المكتب الشريف للفوسفاط من مجرد الاستجابة لطلب الأسواق إلى المساهمة في صياغة معايير جديدة في صناعة الأسمدة، قائمة على الجودة العالية، واحترام البيئة، والاعتماد على حلول صناعية وطنية قابلة للتطوير والتثمين. كما يعكس هذا المسار رهان المغرب على الابتكار الصناعي الأخضر باعتباره مدخلا لتعزيز تنافسية صادراته الفوسفاتية وترسيخ حضوره في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي والاستدامة