المغرب والهند.. تحالف رقمي صاعد يعيد رسم خرائط الذكاء الاصطناعي جنوباً

مجلة أصوات

لم يعد التعاون المغربي-الهندي يقتصر على التبادل الاقتصادي التقليدي أو الشراكات الثنائية المحدودة، بل بات يتجه بثبات نحو بناء محور رقمي جديد يعكس تحولات جيوسياسية وتكنولوجية عميقة تقودها ثورة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. هذا التوجه برز بوضوح من خلال مخرجات قمة تأثير الذكاء الاصطناعي – دلهي 2026، التي شكلت محطة مفصلية في إعادة تعريف أدوار دول الجنوب داخل معادلة الابتكار العالمي.

وخلال ندوة صحفية احتضنها مقر سفارة الهند بالرباط، كشف السفير الهندي سانجاي رانا أن مشاركة المغرب في القمة، ممثلاً بالوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أمل الفلاح السغروشني، لم تكن مشاركة بروتوكولية، بل عكست توجهاً استراتيجياً نحو ترسيخ شراكة تكنولوجية عميقة تضع الذكاء الاصطناعي في قلب التحول التنموي المشترك.

وفي عالم يتسابق فيه الفاعلون الكبار على الهيمنة التكنولوجية، تراهن الرباط ونيودلهي على نموذج مختلف، يقوم على دمقرطة الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى أداة للتنمية الشاملة بدل حصره داخل منظومات مغلقة. وقد شدد السفير الهندي على أن نقاشات قمة نيودلهي تجاوزت الجانب التقني، لتلامس رهانات الحوكمة العالمية، عبر البحث عن توازن دقيق بين الابتكار والمسؤولية، في ظل وعي متزايد بأن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل أنماط العمل والتعليم والإدارة بشكل جذري.

ويأتي الإعلان عن تنظيم المعرض الهندي‑الإفريقي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات 2026 بمدينة الدار البيضاء ليترجم هذا التوجه على أرض الواقع، إذ يُنتظر أن يتحول الحدث إلى منصة استراتيجية تجمع كبريات شركات التكنولوجيا، بهدف بناء مجتمعات “جاهزة للذكاء الاصطناعي”، عبر تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الربط بمراكز البيانات، وتسريع الانتقال نحو اقتصاد معرفي متكامل.

ووصف السفير رانا العلاقات الثنائية بأنها تمر بـ“مرحلة ذهبية”، وهو توصيف يتجاوز الخطاب الدبلوماسي التقليدي ليعكس تقاطعاً حقيقياً في الرؤى الاستراتيجية للبلدين. فاعتماد المغرب للإعلان الصادر عن قمة نيودلهي يؤشر على انخراط واضح في نموذج التعاون جنوب-جنوب، القائم على الشفافية، وتبادل المعرفة، وبناء منظومات ابتكار مشتركة.

ويتجلى هذا المسار أيضاً في تعزيز الشراكات الأكاديمية مع مؤسسات مغربية رائدة، من بينها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، و**الجامعة الأورومتوسطية بفاس، وجامعة الأخوين**، بما يرسخ قاعدة معرفية قادرة على إنتاج حلول تكنولوجية محلية ذات إشعاع عالمي.

أحد أبرز محاور الرؤية الهندية، بحسب السفير، يتمثل في خفض كلفة الولوج إلى القدرات الحوسبية، باعتبارها عاملاً حاسماً في تسريع الابتكار. ففي وقت تصل فيه تكلفة بعض وحدات معالجة الرسوميات إلى ملايين الدولارات، تعمل الهند على تطوير بنية تحتية رقمية تتيح للشركات الناشئة والمطورين الولوج إلى طاقة حوسبية عالية بتكلفة رمزية، ما قد يفتح الباب أمام نموذج اقتصادي جديد لكسر احتكار التكنولوجيا.

وفي هذا السياق، يبرز المغرب كشريك طبيعي للهند، بالنظر إلى الرهان المشترك على الكفاءات الشابة المؤهلة تقنياً، والسعي إلى تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي بدل أن يبقى امتيازاً حصرياً للشركات العملاقة.

ويعكس تزايد اهتمام الشركات الهندية الكبرى بالمغرب تحولاً في خريطة الاستثمار التكنولوجي العالمي نحو إفريقيا. فالمملكة، بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتوجهها نحو الطاقات الخضراء، وتحسين مناخ الأعمال، أصبحت منصة إقليمية واعدة لتطوير الخدمات الرقمية. وتبرز تجربة HCL Tech، التي ضاعفت حضورها بالمغرب خلال ثلاث سنوات، كمؤشر على هذا التحول، إلى جانب اهتمام Tata Consultancy Services بإمكانية إنشاء مركز تطوير عالمي أو مركز بيانات بالمملكة.

ولا يقتصر التعاون المغربي-الهندي على البعد الثنائي، بل يتجه ليصبح نموذجاً عملياً للتعاون جنوب-جنوب، وهو ما يتجلى في اعتماد المغرب لبروتوكول الهوية الرقمية مفتوح المصدر MOSIP، الذي أسهم في تطوير السجل الوطني للسكان، مع نقل هذه الخبرة لاحقاً إلى دول إفريقية أخرى. كما بدأت منصات تعليمية هندية مثل Diksha و**Maharat** في إيجاد موطئ قدم داخل المنظومة التعليمية المغربية.

ويرى متابعون أن هذا الزخم في العلاقات الثنائية يعود بجذوره إلى الزيارة التاريخية التي قام بها الملك محمد السادس إلى الهند سنة 2015، والتي أرست أسس تعاون متعدد الأبعاد شمل مجالات صناعية ودوائية وتكنولوجية.

وفي ظل مشاريع جديدة، من بينها مصنع مرتقب لشركة MKU في مجال التجهيزات الدفاعية، وتعزيز الشراكات الدوائية، يبدو أن الرباط ونيودلهي تسيران بثبات نحو بناء تحالف استراتيجي يتجاوز المصالح الظرفية، ليؤسس لرؤية مشتركة تجعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية المستدامة والسيادة الرقمية في عالم متعدد الأقطاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.