شهادة الغفران من بن كيران: قراءة نفسية إجتماعية.

فؤاد يعقوبي مختص في علم النفس الإجتماعي في السياق المغربي.

فؤاد يعقوبي
مختص في علم النفس الإجتماعي في السياق المغربي.
حين يصرح عبد الإله بن كيران بأن المرحوم عبد الهادي بلخياط “الحمد لله مات بعد التوبة المشهورة”، فنحن لا نكون أمام تعزية، بل أمام منطق رمزي يمنح فيه السياسي الدي يرتدي رداء التدين لنفسه حق توزيع شهادات الغفران، وتحديد من مات على الطريق الصحيح ومن مات خارجه.
العبارة في ظاهرها دينية، لكنها في عمقها سياسية بامتياز. فهي لا تتعلق بالموت ولا بالآخرة، بقدر ما تعيد إنتاج تصور قديم يرى في الفن خطيئة أصلية، وفي الفنان مشروع تائب، يحتاج إلى إعلان توبته حتى يُقبل اجتماعيا وأخلاقيا. وكأن الإبداع في حد ذاته ذنب، لا يغفر إلا بالاعتزال، أو بالتماهي مع خطاب الوعظ.
هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
هل عبد الوهاب الدكالي مطالب بدوره بتوبة معلنة؟
وهل نعمان لحلو، الذي جعل من الأغنية الوطنية ذاكرة جماعية، في حاجة إلى مراجعة إيمانه حتى ينال الرضا الرمزي للسياسي المتدين؟
هذا المنطق لا يدين بلخياط، بل يُدين الفن ذاته. إنه يقسّم الفنانين إلى من تاب ومن لم يتب بعد، ويحوّل المجال الفني إلى فضاء للريبة الأخلاقية، لا للإبداع. وهو منطق يعيدنا إلى ثنائية مرضية: حلال/حرام، طاهر/مدنس، وكأن المجتمع لا يحتمل التعدد، ولا يعترف بالاختلاف الثقافي والوجداني.
الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب يمارَس من موقع سلطة سياسية سابقة، لا من موقع اجتهاد علمي أو ديني رصين. فالرجل لا يتحدث كفقيه ولا كعالم دين، بل كسياسي يوظف الرأسمال الديني لإعادة ضبط المجال القيمي وفق حسابات رمزية وانتخابية. وهنا يتحول الدين من منظومة قيم أخلاقية إلى أداة ضبط اجتماعي، يُكافأ فيها “المطيع” ويُوصم فيها المختلف.
إن هذا النوع من الخطاب يُنتج شعورا بالذنب الجماعي، ويغذي الوصم، ويُعيد ترسيخ صورة الفن بوصفه انحرافا أخلاقيا، لا تعبيرا إنسانيا. وهو ما يخلق تناقضا حادا داخل المجتمع المغربي: نستهلك الفن، نعيش به، نحتفل به، لكننا في الوقت نفسه نطالبه بالاعتذار عن وجوده.
فالدين، في جوهره، لم يأتِ ليصادر الفرح ولا ليجرّم الجمال، ولم يمنح أحدا حق احتكار الجنة أو توزيع صكوك التوبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.