انهيار المنازل بالمدن العتيقة: تشابك المسؤوليات وغياب الحسم القانوني

بقلم عبدالصادق عبدالمغيث

أعادت حادثة انهيار منزل بالمدينة العتيقة لمكناس، التي شهدتها المدينة اليوم، النقاش حول وضعية السكن المتهالك بالمدن القديمة، وحدود مسؤولية مختلف الأطراف المتدخلة في حماية الأرواح والممتلكات. ورغم خطورة الحادث، فقد حال غياب قاطني المنزل المنهار دون تسجيل خسائر بشرية، في واقعة وُصفت بـ“الإنذار المحظوظ” الذي يسبق الكارثة.
ولا يختلف اثنان حول أن المباني، خصوصًا تلك المشيدة بالمواد التقليدية كالطين، تحتاج إلى عمليات ترميم وصيانة دورية، حتى وإن أبانت عن قدرة كبيرة على الصمود عبر الزمن. غير أن هذه البنايات، بفعل عوامل طبيعية وبشرية متراكمة، قد تصاب باختلالات بنيوية تظهر أحيانًا بشكل فجائي، وأحيانًا أخرى تكون معروفة لدى الساكنة، لكنها تُقابل بالتجاهل أو العجز عن التدخل.
سكن هش… ومسؤوليات متداخلة
الإشكال لا يتوقف عند الحالة التقنية للبنايات، بل يتعقد بفعل طبيعة العلاقات القانونية المرتبطة بالسكن. ففي حالات كثيرة، يكون السكن مجرد علاقة كرائية لا تمنح للمكترين سلطة اتخاذ قرارات الترميم، بينما يتقاعس المالكون، أو يتعذر الوصول إليهم. وفي حالات أخرى، يكون العقار مشتركًا بين عدة ورثة أو ملاك، تسود بينهم نزاعات تجعل الاتفاق على الإصلاح أمرًا شبه مستحيل.

وتزداد الوضعية تعقيدًا عندما تكون الملكية موضوع نزاع قضائي لم يُحسم بعد، حيث يفرض مسار التقاضي بطئه الطبيعي، في وقت لا تنتظر فيه البنايات المهددة بالانهيار صدور الأحكام. وهنا، قد يباغت الانهيار الجميع، ساكنة ومالكين وسلطات، تاركًا السؤال معلقًا: من المسؤول؟

القانون العقاري بين النص والواقع

من زاوية القانون العقاري، يُحمَّل المالك، من حيث المبدأ، مسؤولية سلامة البناء وصيانته، خاصة إذا كان يشكل خطرًا على شاغليه أو على الغير. غير أن هذا المبدأ يصطدم بتعقيدات الملكية المشتركة، وبحالات الكراء الطويل الأمد، وبالنزاعات القضائية المفتوحة، ما يجعل تنزيل المسؤولية أمرًا بالغ الصعوبة.
أما المكترون، فرغم محدودية سلطتهم القانونية، فإن واجب الإشعار بالخطر يظل قائمًا، خاصة إذا كانت علامات التهديد واضحة، غير أن هذا الواجب غالبًا ما يُفرغ من محتواه في ظل غياب بدائل سكنية أو الخوف من الإفراغ.
حدود تدخل السلطات ودور المجتمع المدني

في خضم هذه الإشكاليات، يبرز دور السلطات المحلية، التي تمتلك صلاحيات المعاينة وإصدار أوامر بالإخلاء عند وجود خطر داهم، غير أن هذه التدخلات تصطدم بإكراهات اجتماعية وإنسانية، أبرزها غياب حلول إيواء عاجلة.
كما يظل تدخل القضاء محكومًا بزمن المساطر، في حين أن خطر الانهيار لا يعترف بالمواعيد، ما يطرح الحاجة إلى آليات استعجالية خاصة بالمدن العتيقة.
في المقابل، يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دورًا مهمًا في التحسيس، والوساطة، والتبليغ، والدفع نحو حلول توافقية تُقدّم سلامة الأرواح على الحسابات الضيقة.
إنذار يستوجب مقاربة شمولية
حادثة مكناس، وإن مرت دون ضحايا، تظل جرس إنذار جديدًا يؤكد أن إشكالية انهيار المنازل بالمدن العتيقة ليست تقنية فقط، بل هي ملف مركب يتداخل فيه القانوني بالعمراني، والاجتماعي بالإنساني، ما يفرض مقاربة شمولية تُحدد المسؤوليات بوضوح وتُعزز التدخل الوقائي قبل فوات الأوان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.