نظام التعليم الفنلندي…غياب مفهوم المدارس الخاصة. معجزة تتحدى المنطق

بقلم: عبد الصادق عبدالمغيث

يحظى نظام التعليم الفنلندي بإشادة عالمية واسعة، ويُقدَّم اليوم بوصفه أحد أنجح النماذج التربوية المعاصرة وأكثرها ابتكارًا وعدالة. فقد استطاعت فنلندا، خلال عقود قليلة، أن تتحول إلى مرجع دولي في إصلاح التعليم، وأن تحتل باستمرار موقعًا متقدمًا ضمن الدول الثلاث الأولى عالميًا وفق نتائج برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA)، وهو ما اعتبره خبراء التربية دليلًا واضحًا على نجاح خيارها الاستراتيجي في جعل المتعلم محور العملية التعليمية.
اللافت في التجربة الفنلندية أن أولويتها المطلقة ليست المناهج أو الامتحانات، بل التلميذ والطالب بوصفهما جوهر النظام التعليمي وصاحبي المصلحة الحقيقية فيه. هذا التوجه أثار إعجاب الإعلام الدولي، لا سيما الأمريكي، حيث خُصصت عشرات التقارير والدراسات لتحليل “الاستثناء الفنلندي” ومحاولة فهم أسرار تفوقه.
ومن بين أبرز خصائص هذا النظام غياب مفهوم المدارس الخاصة بالمعنى التقليدي. ففي فنلندا توجد مدارس مستقلة، لكنها مُمولة بالكامل من الدولة ولا تفرض أي رسوم دراسية. ويُنظر إلى التعليم هناك كخدمة عمومية أساسية لا تخضع لمنطق السوق. وفي هذا السياق، نقلت مجلة ذي أتلانتيك عن الدكتور پاسي سالبرغ، المدير العام السابق بوزارة التعليم والثقافة الفنلندية، قوله إن “الهدف الأساسي من التعليم في فنلندا هو أن يكون أداة لتحقيق المساواة داخل المجتمع”، وهو مبدأ يشكل حجر الزاوية في الفلسفة التربوية للبلاد.
ولا ينفصل هذا النجاح التعليمي عن الرؤية التنموية الشاملة التي اعتمدتها فنلندا، حيث جرى وضع التعليم في صدارة الأولويات الوطنية، باعتباره المدخل الأساس للتنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
وفي هذا الإطار، تندرج الصورة المرفقة التي التُقطت على هامش استقبالي من طرف السيدة آني فاسارا، سفيرة فنلندا بالمغرب، بمكتبها بالعاصمة الرباط، وذلك بمناسبة التحضير لأشغال المؤتمر الدولي حول أهداف التنمية المستدامة. وقد جاء هذا اللقاء، الذي تم بصفتي رئيس الائتلاف العالمي لأهداف التنمية المستدامة بالمغرب، فرصةً لتبادل الرؤى حول التجربة التنموية الفنلندية الرائدة في مختلف المجالات، وعلى رأسها التعليم، الذي جرى تكريسه في فنلندا كأولوية وطنية أولى لا تقبل التأجيل أو المساومة.
إن التجربة الفنلندية تؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الاستثمار الذكي في الإنسان، عبر تعليم عادل وجيد، ليس ترفًا سياسيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يصنع الفارق ويؤسس لمستقبل أكثر إنصافًا وازدهارًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.