محكمة النقض تدق ناقوس الخطر: طوفان الطعون يهدد جودة العدالة واستقرار الاجتهاد القضائي

بقلم: عبد الصادق عبدالمغيث

افتتحت محكمة النقض السنة القضائية 2026 في جلسة رسمية ترأسها الرئيس الأول المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النبوي، حملت في طياتها رسالة قوية وتحذيرًا صريحًا من أزمة هيكلية وتنظيمية غير مسبوقة تعيشها أعلى هيئة قضائية في البلاد، نتيجة التدفق الهائل للطعون غير المنتجة.
وأكد عبد النبوي، في كلمته الافتتاحية، أن محكمة النقض باتت ترزح تحت عبء ثقيل من الملفات، حيث يُحال عليها سنويًا ما يقارب 50 ألف طعن، وهو رقم يفوق بكثير نظيره في دول يفوق عدد سكانها عدد سكان المغرب، ما يعكس خللًا بنيويًا عميقًا في منظومة التقاضي وآليات الولوج إلى الطعن بالنقض.
وأوضح المسؤول القضائي أن نحو 78 في المائة من الطعون المقدمة تُقضى برفضها، من بينها 10 في المائة لعدم القبول، فيما تم التصريح بعدم قبول 13.494 طلبًا بسبب عيوب شكلية، أي ما يعادل ربع مجموع الملفات المعروضة. في المقابل، لا تتجاوز نسبة الطعون التي يُقضى فيها بالنقض 21.71 في المائة، وهو ما يبرز، بحسب عبد النبوي، ضعف جودة الطعون وغياب رقابة فعالة قبل وصولها إلى محكمة النقض.
وكشف الرئيس المنتدب أن مجموع الملفات الرائجة خلال سنة 2025 بلغ 106.584 ملفًا، بعد تسجيل 60.035 طعنًا جديدًا أُضيفت إلى 46.549 ملفًا متراكمًا من السنة السابقة، في حين ظل 52.535 ملفًا دون حسم، الأمر الذي يجعل المتقاضين أول ضحايا هذا “الطوفان القضائي” الذي يهدد سرعة البت وجودة العدالة.
وحذر عبد النبوي من أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل عاجل من السلطتين التنفيذية والتشريعية سيؤدي إلى تعميق الأزمة، داعيًا إلى إقرار معايير وضوابط صارمة لتنظيم الطعون بالنقض، حتى لا تتحول محكمة النقض إلى مجرد محطة لإعادة إنتاج الأخطاء، بدل أن تضطلع بدورها كمرجعية للاجتهاد القضائي وضمان الأمن القانوني.
وفي ختام كلمته، شدد الرئيس الأول المنتدب على التزام محكمة النقض بمواصلة جهود تحسين جودة الأحكام وتعزيز ثقة المواطن في القضاء، غير أن الرسالة كانت واضحة: تجاهل الاختلالات البنيوية القائمة من شأنه أن يُفاقم أزمة العدالة ويُبقي محكمة النقض رهينة سيل من الطعون غير المجدية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.