فنّ التعامل… مرآة الثقافة وميزان الوعي

بقلم ايطو داحدو

يُعدّ التعامل الإنساني أحد أبرز المؤشرات التي تعكس مستوى الوعي والثقافة لدى الأفراد والمجتمعات، فهو ليس سلوكًا عابرًا، بل ممارسة يومية تكشف الرقي أو التدنّي في القيم. وأجود ما في التعامل أنه لا يختبئ طويلًا؛ إذ يظهر في التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبرى.
وينطلق التعامل من سؤال بديهي لكنه عميق الدلالة: كيف أتعامل مع نفسي أولًا، ثم مع الآخر؟ فالعلاقة مع الذات هي الأساس الذي تُبنى عليه كل العلاقات اللاحقة. من يحسن فهم نفسه وضبط انفعالاته واحترام حدوده، يكون أقدر على إدارة علاقاته مع الآخرين بحكمة واتزان.
الآخر… ليس قالبًا واحدًا
“الآخر” ليس كيانًا متجانسًا، بل مجموعة من الاختلافات التي تحكمها طبيعة العلاقة وحدودها. فقد يكون الآخر شريك حياة، أو فردًا من العائلة، أو زميل عمل، أو صديقًا، أو شريكًا في تجارة. ولكل علاقة سياقها وأدواتها وحدودها، ما يفرض أنماطًا مختلفة من التعامل تقوم على الاحترام المتبادل، والوضوح، والالتزام بأخلاقيات الدور.
الزمان والمكان: محددان لا يُغفلان
لا ينفصل التعامل عن بعديه الزماني والمكاني. فهناك تعاملات لا تتجاوز ثوانٍ معدودة، وأخرى تمتد سنوات وربما العمر كله. كما أن المكان—عامًا كان أو خاصًا—يفرض معاييره. وإدراك هذه الأبعاد يجنّب الانزلاق في تصرّفات قد تبدو بسيطة لحظتها، لكنها تخلّف أثرًا عميقًا وندمًا قد يطول.
الحيطة والحذر… مسؤولية أخلاقية
الحيطة ليست تشددًا، والحذر ليس خوفًا، بل وعيٌ بالعواقب ومسؤولية أخلاقية تجاه الذات والآخر. فالكلمة غير المحسوبة، أو السلوك المتجاوز للحدود، قد يقوّض علاقة أو يزرع جرحًا يصعب اندماله.
خلاصة
التعامل فنّ يتطلّب معرفة بالنفس، وفهمًا للاختلاف، واحترامًا للزمان والمكان، ووعيًا بالعواقب. وهو قبل ذلك وبعده قيمة تُقاس بها إنسانيتنا، وتُبنى عليها الثقة، ويُحفظ بها النسيج الاجتماعي. فمن أحسن التعامل، أحسن العيش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.