صراع القوى في الجزائر: تبون يتراجع أمام الجنرالات

يسير الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ووزيره المنتدب للدفاع، الجنرال سعيد شنقريحة، الذي يشغل أيضا منصب رئيس أركان الجيش، على حبل مشدود. ويبدو أن توازن «اللاشرعية» الذي كان يجمع الرجلين قد بدأ يترنح إلى درجة بات معها التساؤل مطروحا حول من سيسقط أولا.

لقد بلغت الأمور طريقا مسدودا بين جناح الجنرالات وجناح الرئاسة. وتعد محاولة تبون الأخيرة لتعديل الدستور هي القطرة التي أفاضت كأس التوترات الدائمة بين الطرفين؛ إذ سعى من خلالها إلى منح نفسه إمكانية الترشح لولاية ثالثة، أو تمديد ولايته الحالية إلى سبع سنوات دون اللجوء إلى انتخابات. وبالتوازي مع ذلك، كان يخطط لرفع مدة ولاية النواب إلى ست سنوات، وبذلك يضمن البقاء في السلطة حتى عام 2031، مدعوما ببرلمان موال له بالكامل. كما شمل التعديل المقترح نقل إدارة العمليات الانتخابية إلى وزارة الداخلية بدلا من السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي كان يراد الإبقاء عليها صوريا فقط.

ووفقا للمدون الجزائري سعيد بن سديرة، المقرب من جناح قوي داخل المؤسسة العسكرية، فإن الجنرال سعيد شنقريحة عرض هذا المشروع، الذي قدم كـ«تعديل تقني»، على كبار الضباط، الذين سارعوا إلى رفضه بالأغلبية المطلقة، معلنين رفضهم لأي مساس بالقانون الأساسي. ولا يستبعد أن يكون الجنرالات قد فتحوا خلال هذا الاجتماع باب البحث عن خليفة -يتمتع بالمصداقية- لتبون، الذي يواجه خطر الإزاحة من قبل الجيش، على غرار ما حدث مع الشاذلي بن جديد عام 1992، واليامين زروال عام 1999، وعبد العزيز بوتفليقة عام 2019.

وثمة فرضيتان لهذه التوترات في قمة الدولة؛ الأولى، وهي التي يرجح ألا يجرؤ تبون على البدء بها، هي إقالة سعيد شنقريحة. لكن هذا الإجراء، وإن كان تبون هو المخول قانونا باتخاذه، لن يكون له أثر فعلي، لأن قائد القوات البرية سيخلف شنقريحة تلقائيا. ويشغل هذا المنصب حاليا الفريق مصطفى سماعلي، الذي يعد ثاني أعلى ضابط رتبة في الجيش، وأكثر المقربين وفاء لشنقريحة، ما يجعل نجاح تبون في تكرار سيناريو بوتفليقة مع قايد صالح أمرا مستبعدا.

إن أي محاولة لإقالة شنقريحة محكومة بالفشل؛ فخلال سنواته الست على رأس الأركان، أرسل جميع خصومه ومنافسيه المحتملين إلى السجن، بمن فيهم بعض المقربين من جناح تبون، ووضع رجاله في كافة المناصب الحساسة.

وسواء تجرأ تبون على تجاوز الخطوط الحمراء أم لا، فإن المؤشرات تدل على أن أيامه في «المرادية» باتت معدودة. لقد خرجت بوادر القطيعة مع «صناع الرؤساء» إلى العلن، مما كشف حجم الخلافات بين الرجلين القويين في نظام كان يحرص دائما على عدم غسل غسيله القذر أمام الملأ.

ومن جهة أولى، وبعد اجتماعه مع الجنرالات يوم السبت 27 دجنبر لمناقشة التعديل الدستوري، قاطع شنقريحة مجلس الوزراء المنعقد في 28 دجنبر، مما اضطر تبون للإعلان في بيان المجلس عن «تأجيل» التعديل التقني للدستور. وسواء كان الأمر تأجيلا أو إلغاء نهائيا، فإن هذه الفقرة كشفت بوضوح عن عمق الخلاف.

أما الإشارة الثانية على تصدع الثنائي، فتمثلت في غياب شنقريحة للمرة الثانية عن خطاب حصيلة تبون السنوية أمام البرلمان في «نادي الصنوبر». والأخطر من ذلك، حسب بن سديرة، أن شنقريحة لم يتلق دعوة من تبون لحضور هذه المراسيم كما تقتضي القواعد البروتوكولية.

وفي خطابه، لم يوجه تبون، وهو وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة، أي ثناء للجيش على غير عادته، كما تجاهله تماما في تهاني رأس السنة.

لقد وقع الطلاق إذن، لكن تبون لا يزال مضطرا للانصياع لأوامر الجنرالات الذين أجبروه على التراجع عن قراراته الأخيرة التي أشعلت غضبا اجتماعيا يذكر ببوادر «حراك» جديد. وهكذا، تراجعت الحكومة عن قانون المرور الجديد بعد إضرابات الناقلين، كما يرجح التراجع عن زيادة أسعار الوقود غير الشعبية.

كما تراجع الرئيس عن أمره للبنوك بعدم قبول السيولة من التجار، وأقال محافظ بنك الجزائر الذي لم يفعل سوى تنفيذ تعليمات الرئيس الرامية لإخراج الجزائر من «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي. إن هذا التخبط في التسيير يعكس نظاما يسير دون بوصلة.

الأيام القادمة تحمل مخاطر جمة لتبون ومحيطه، إذ قد يعجل الغضب الشعبي بإزاحة رئيس لم يعد الجيش يرغب في بقائه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.