حسن أوريد يحذّر من «فخ الهويات»: حين يتحوّل طلب الاعتراف إلى عامل تفكيك

بقلم: عبدالصادق عبد المغيث

في إطار لقاءات أربعاء المعرفة الشهرية، نظّمت جمعية سلا المستقبل بشراكة مع الخزانة العلمية الصبيحية ومؤسسة سلا للثقافة والفنون، لقاءً فكريًا احتضنته رحاب الخزانة العلمية الصبيحية بمدينة سلا، استُضيف خلاله المفكر والأكاديمي المغربي الأستاذ حسن أوريد، لمناقشة إشكالية «احتدام صراع الهويات»، انطلاقًا من كتابه الأخير «فخ الهويات».
اللقاء، الذي عرف حضورًا نوعيًا من باحثين ومهتمين بالشأن الثقافي والفكري، شكّل مناسبة لفتح نقاش عميق حول تحوّلات الخطاب الهوياتي في السياقين العربي والعالمي، وما يطرحه من تحديات على مستوى التماسك الاجتماعي وإدارة الاختلاف.
الهوية بين المشروعية والمخاطر
في مداخلته، شدّد حسن أوريد، الأستاذ الجامعي والأديب والمؤرخ، على أن خطاب الهوية، رغم مشروعيته كطلب إنساني يسعى إلى الاعتراف والإنصاف، ينطوي على مخاطر عميقة، إذا لم يُؤطّر ضمن أفق جامع. وأوضح أن هذا الخطاب يقوم في جوهره على منطق ثنائي، يقوم على تمجيد الذات في مقابل نفي أو تهميش الآخر، ما يجعله قوة قابلة للتفجير المجتمعي بدل أن يكون عنصر إغناء.
وأكد أوريد أن المفارقة الكبرى التي يطرحها الخطاب الهوياتي تكمن في التوتر القائم بين الحق في المطالبة بالهوية، وبين خطر تحوّل هذه المطالبة إلى أداة إقصاء وانقسام، معتبرًا أن تجاوز هذا التناقض يمرّ حتمًا عبر تأطير عقلاني وثقافي يوازن بين الخصوصية والانتماء المشترك.
تمجيد الذات وإغلاق أفق الحوار
وأوضح المتحدث أن كل خطاب هوياتي، مهما كان منطلقه أو سياقه، يبدأ عادة بتمجيد الذات، حيث تُرفع اللغة أو الدين أو العرق إلى مرتبة القيم المطلقة، وهو ما يؤدي، بحسب تعبيره، إلى إغلاق أفق الحوار والتفاعل مع المختلف. وأضاف أن هذا المنحى يُنتج وعيًا منغلقًا، يُعيد إنتاج الصراعات بدل تفكيكها، ويحوّل الهوية من فضاء للتعارف إلى أداة للتمايز العدائي.
واعتبر أوريد أن هذا النمط من الخطاب لا يهدد فقط التعايش داخل المجتمعات المتعددة، بل يضعف أيضًا إمكانية بناء مشروع وطني أو إنساني جامع، قائم على القيم المشتركة والاعتراف المتبادل.
«فخ الهويات» وسؤال اللحظة الراهنة
ويأتي كتاب «فخ الهويات» في سياق عالمي يشهد تصاعدًا غير مسبوق في الخطابات الهوياتية، سواء ذات الطابع الديني أو العرقي أو الثقافي، في ظل أزمات سياسية واقتصادية عميقة، ما يجعل من هذا العمل محاولة فكرية لتفكيك جذور الظاهرة، والتنبيه إلى مخاطرها، دون إنكار الحاجة الإنسانية المشروعة إلى الانتماء.
وقد خلص اللقاء إلى التأكيد على أهمية إعادة التفكير في مفهوم الهوية بوصفه معطىً مفتوحًا وديناميًا، لا جوهرًا مغلقًا أو سلاحًا إيديولوجيًا، وعلى ضرورة تعزيز دور الثقافة والفكر في بناء جسور التفاهم، بدل تغذية منطق الاستقطاب والانقسام.
ويُحسب لهذه المبادرة الثقافية أنها وفّرت فضاءً للنقاش الهادئ والعميق حول قضايا راهنة تمسّ صميم التحوّلات المجتمعية، وتؤكد مجددًا دور المعرفة في مواجهة اختلالات الحاضر وأسئلة المستقبل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.