يشكل الاحتفال بـ اليوم العالمي للمرأة مناسبة سنوية لاستحضار ما حققته النساء من مكتسبات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الوقوف على التحديات التي ما تزال تعترض طريق تحقيق المساواة والعدالة بين الجنسين داخل المجتمعات.
وفي هذا السياق، اختارت الأمم المتحدة هذه السنة شعار “الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات”، وهو شعار يدعو إلى المطالبة بحقوق متكافئة وعدالة منصفة تضمن تمكين النساء والفتيات من التمتع الكامل بحقوقهن، مع اتخاذ إجراءات عملية لإزالة العوائق التي تحول دون تحقيق هذه الغاية.
كما أكدت الهيئة الأممية أن هذا الشعار يسلط الضوء على ضرورة اعتماد تدابير حاسمة لتفكيك مختلف الحواجز التي تعيق تحقيق العدالة المتكافئة، سواء تعلق الأمر بالقوانين التمييزية أو ضعف الضمانات القانونية أو بالممارسات الاجتماعية التي تنتقص من حقوق النساء والفتيات.
وفي المغرب، تتقاطع مضامين هذا الشعار مع عدد من الأوراش الإصلاحية التي تم إطلاقها خلال السنوات الأخيرة بهدف تعزيز حقوق النساء وترسيخها على أرض الواقع، وفي مقدمتها ورش إصلاح مدونة الأسرة المغربية الذي أطلقه محمد السادس، والذي يشكل محطة أساسية في مسار تطوير المنظومة القانونية المرتبطة بالأسرة وتعزيز مبادئ الإنصاف والتوازن داخل العلاقات الأسرية.
كما تعززت الترسانة القانونية المتعلقة بحماية النساء من العنف، خاصة مع اعتماد القانون 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، والذي يرتكز على مقاربة شمولية تجمع بين الوقاية والحماية والزجر والتكفل، إضافة إلى إحداث آليات مؤسساتية تهدف إلى تسهيل ولوج النساء إلى العدالة، من بينها الخلايا المؤسساتية للتكفل بالنساء ضحايا العنف على المستويين المركزي والمحلي.
وعلى مستوى التمكين الاقتصادي، أفادت المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها “المرأة المغربية بالأرقام 2025” بأن النساء يمثلن نحو 20,6 في المائة من مجموع المشتغلين في المغرب خلال سنة 2024، فيما تعيل النساء حوالي 19,2 في المائة من الأسر، وهو ما يعكس تنامي الدور الاقتصادي والاجتماعي للمرأة داخل المجتمع المغربي رغم استمرار بعض الفوارق في سوق الشغل.
كما سجل التقرير ذاته ارتفاعاً ملحوظاً في حضور النساء داخل منظومة التعليم العالي، حيث بلغت نسبة الطالبات في المعاهد والمدارس العليا حوالي 63,5 في المائة خلال الموسم الجامعي 2023-2024، وهو مؤشر يعكس تزايد إقبال النساء على التكوين الأكاديمي وتعزيز فرص اندماجهن في سوق العمل.
أما على مستوى المشاركة السياسية، فقد ساهمت الإصلاحات الدستورية والتشريعية في تعزيز حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار، إذ ارتفعت نسبة النساء المنتخبات في مجالس العمالات والأقاليم عقب انتخابات 8 شتنبر 2021 إلى 35,6 في المائة، فيما ارتفعت نسبة تمثيلية النساء في مجلس النواب من 20,5 في المائة سنة 2016 إلى 24,3 في المائة سنة 2021.
وفي هذا الإطار، دعا محمد الحبيب بلكوش، المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان، خلال المنتدى البرلماني الثاني للمساواة والمناصفة، إلى جعل الاستحقاقات التشريعية المقبلة مدخلاً جديداً لتعزيز التمكين السياسي للنساء، من خلال دعم التكوين والتأهيل وتقوية آليات المناصفة داخل الأحزاب السياسية، إلى جانب إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في العمل التشريعي والرقابي.
ورغم ما تحقق من مكتسبات في مجال تعزيز حقوق النساء وتمكينهن، فإن الرهانات المستقبلية تظل قائمة من أجل توسيع هذه المكتسبات وترسيخها بشكل أكبر، بما يعزز مبادئ الحقوق والعدالة والعمل التي يدعو إليها الشعار الأممي لهذه السنة، ويؤكد التزام المغرب بمواصلة الإصلاحات الداعمة لحقوق النساء وتعزيز حضوره في المبادرات الدولية ذات الصلة.