لم تعد القوة النارية وحدها العامل الحاسم في الحروب الحديثة، إذ باتت السيطرة الإلكترونية والمعلوماتية تشكل جوهر التفوق العسكري في ميادين القتال المعاصرة، حيث تُدار المعارك عبر أنظمة الرصد والاتصال بقدر ما تُخاض في الميدان، وهو ما دفع الهند إلى تسريع استثماراتها في الصناعات الدفاعية الذكية.
وفي هذا السياق، تبرز شركة Bharat Electronics Limited كفاعل مركزي في التحول الاستراتيجي للمنظومة العسكرية الهندية، من خلال تطوير حلول متقدمة في مجالات الرادارات، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الاتصالات العسكرية، دعماً لقدرات الجيش البري والبحري والجوي.
وتعود جذور هذه الشركة الحكومية، التابعة لوزارة الدفاع الهندية، إلى منتصف خمسينيات القرن الماضي، حيث جرى تأسيسها استجابة لحاجة البلاد إلى بنية صناعية دفاعية قادرة على تأمين الحدود الوطنية عبر أنظمة مراقبة وتحكم في النيران، ومنظومات صاروخية، وتقنيات تشويش واعتراض إلكتروني متطورة.
ويأتي هذا التوجه في انسجام مع مبادرة “صنع في الهند”، التي أطلقها رئيس الوزراء ناريندرا مودي سنة 2014، والتي تهدف إلى تعزيز التصنيع المحلي، وتشجيع البحث والتطوير، وبناء شراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب دعم الشركات الناشئة في مجال الصناعات الدفاعية.
وتنتج الشركة أكثر من 350 منتجاً عسكرياً موزعة على تسعة مصانع عبر التراب الهندي، من بينها أنظمة متقدمة للحرب الإلكترونية مثل نظام COM-EW، القادر على اعتراض الاتصالات المعادية وتوفير بيانات استخباراتية آنية، إضافة إلى رادارات أرضية متعددة الوظائف، مصممة للتحكم في النيران والمراقبة الدقيقة حتى في بيئات قتالية معقدة.
وبموازاة الإنتاج العسكري، تسعى الشركة إلى توسيع حضورها في المجالات المدنية، من خلال تطوير حلول في الطيران المدني، والطاقة الشمسية، وتخزين الطاقة للمركبات الكهربائية، والإلكترونيات الطبية، والذكاء الاصطناعي، في إطار مقاربة تدمج الأمن القومي بالابتكار الاقتصادي.
ويعكس هذا التحول قناعة متزايدة لدى صناع القرار في نيودلهي بأن حروب المستقبل لن تُحسم فقط بعدد الجنود أو الأسلحة الثقيلة، بل بامتلاك التفوق الإلكتروني والقدرة على إدارة المعركة معلوماتياً، وهو ما يجعل “صنع في الهند” لاعباً صاعداً في ميادين الحرب الذكية.